قوله تعالى :
[ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 19 ]
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 19 )
قوله : ( استولى عليهم من حذت « 1 » الإبل وحذتها إذا استوليت عليها وهو مما جاء على الأصل ) « 2 » استولى عليهم أي غلب على عقولهم بإغوائه حتى اتبعوه فكأنه مستول عليهم فلا ينافي قوله تعالى :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ
[ إبراهيم : 22 ] لأن المنفي التسلط بالإلجاء إلى الكفر والمعاصي والمثبت هنا الاستيلاء بالوسوسة فلا تناقض لعدم اتحاد النسبة .
قوله : (
فَأَنْساهُمْ
[ المجادلة : 19 ] ) الفاء للسببية وإسناد الإنساء إليه مجاز للسببية .
قوله : ( لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم ) أي لا يقدرون ذكرهم بقلوبهم وهي مقر التصديق ولا بألسنتهم وهي آلة الإقرار الدال على التصديق والعموم مستفاد من إطلاق الذكر لكنه لما كان المراد المنافقين فكيف يصح نفي ذكرهم بألسنتهم إلا أن يراد ذكر معتد به .
قوله : ( أولئك حزب الشيطان ) ختم الكلام بما يناسب ابتداءه .
قوله : ( جنوده واتباعه ) يستخدمهم في إغواء المكلف وجمع الجنود لأن الحزب اسم جنس .
قوله : ( ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد قوله : من حذت الإبل قال الجوهري الحوذ السوق السريع تقول حذت الإبل أحوذها حوذا وأحوذتها مثله والأحوذي الخفيف في الشيء لحذقه وقال الأصمعي الأحوذي المشمر في الأمور القاهر لها الذي لا يشذ عليه منها شيء وفي الأساس ومن المجاز رجل أحوذي يسوق الأمور إلى أحسن المساق وفي الحديث مؤمن خفيف الحاذي أي خفيف الظهر والحاذان ما وقع عليه الذنب من أدبار الفخذين فمعنى استحوذ عليهم الشيطان استاقهم مستوليا عليهم قال الطيبي الحوذان يتبع السايق حاذي البعير أي إدبار فخذيه فيعنف في سوقه قال الزجاج استحوذ استولى يقال حذت الإبل وحذوتها إذا استوليت عليها وجمعتها وهذا مما خرج عن أصله ومثله أحوذت وأطيبت والأكثر أحذت وأطبت إلا أن استحوذ جاء على الأصل لأنه لم يقل على حاذ لأنه إنما بني استفعل في أول وهلة كما بني افتقر على افتعل من الفقر ولم يقل منه فقر ولا استعمل بغير زيادة ولم يقل حاذ عليهم الشيطان ولو جاء استحاذ لكان صوابا ولكن استحوذ ههنا أجود لأن الفعل في هذا المعنى لا يستعمل إلا بزيادة أقول يرد قولهم حذت الإبل فإنه من حاذ يحوذ .
هامش
( 1 ) قوله من حذت الإبل وأحوذتها بالذال المعجمة فيهما يعني أنه في الأصل بمعنى السوق والجمع ثم أطلق على الابتلاء وفي بعض النسخ من حذت الإبل وحذتها أي أن ثلاثية يجيء من الباب الأول كقلت من قال ومن الباب الثاني مثل بعث كذا نقل عن الزجاج .
( 2 ) قوله ومما جاء على الأصل أي جاء بدون إعلال وهو وإن خالف القياس لكن موافق للاستعمال فلا يضر الفصاحة كذا في أوائل المطول .