قوله : ( فإن جزء الثابت في القلب يكون ثابتا فيه وأعمال الجوارح لا تثبت فيه ) فإن جزء الثابت في القلب الخ ظاهره اتحاد المحمول مع الموضوع فلا يفيد إلا أن يأول بأنه ثابت فيه قطعا وما ذكره المصنف حاصله قياس من الشكل الثاني والإنكار مكابرة والدليل على أن العمل ليس جزأ من الإيمان لا على قوله فإن الجزء الثابت في القلب الخ حتى يقال إنه بديهي على أن البديهي قد يقام عليه الدليل إما لخفاء لميته أو أنيته فعلم من كلام المصنف أن ما نقل عن الشافعي من أن العمل جزء من الإيمان فمعناه أنه جزء من كماله لا من حقيقته فإنه مذهب المعتزلة ويرد عليه أنه كما هو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان دليل أيضا على خروج الإقرار باللسان عن حقيقة الإيمان مع أن المصنف رجح « 1 » كون الإقرار جزءا من الإيمان إلا أن يقال إن الإقرار ثابت في القلب أيضا قال في قوله تعالى :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ
[ سبأ : 24 ] الآية فهم أي المشركون مقرون به بقلوبهم لكنه مجاز عن التصديق فلمن جعل العمل جزءا من الإيمان أن يقول فما هو جوابكم فهو جوابنا فالظاهر أن المراد بما كتب في قلوبهم الركن الأعظم الذي لا يحتمل السقوط أصلا وهو التصديق وهو ثابت فيه على الدوام لا يسقط وما عداه من الإقرار يحتمل السقوط والكلام مبسوط في علم الكلام .
قوله : ( أي من عند اللّه ) أشار إلى أن من ابتدائية والروح المبتدأ من اللّه تعالى معناه من عند اللّه تعالى والمراد بيان شرافة ذلك الروح وفخامته على أن عند استعارة تمثيلية .
قوله : ( وهو نور القلب أو القرآن أو النصر على العدو ) وهو نور القلب وهو ما سماه الأطباء روحا وهو البخار اللطيف المنبعث من القلب لأن الروح المعهود يتعلق أولا بذلك كما صرح به في سورة الحجر فإن أريد به الروح المصطلح عند الأطباء فهو على حقيقته لكنه بعيد فهو مجاز لكونه متعلقا به أولا أو المراد به البصيرة فإن نور القلب مشهور بعد أن وصف القوم بالتصلب في دين اللّه ومجانبته أعداء اللّه تعالى ومباعدة الأقارب وإن كانوا آباءهم وأبناءهم والاحتراس عن معاشرتهم فكيف يستتب ذلك بمجرد التصديق قال الراغب الكتب جمع أديم إلى أديم بالخياطة وفي التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط والأصل في الكتابة النظم بالخط وفي المقال النظم باللفظ ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض بالكتابة ووجه ذلك أن الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب فالإرادة مبدأ والكتابة منتهى ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي قال اللّه تعالى المنتهى :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ المجادلة : 21 ] وقوله تعالى :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
[ المجادلة : 22 ] فيه إشارة إلى أنهم بخلاف من أغفلنا قلبه عن ذكرنا لأن معنى أغفلنا من أغفلت الكتاب إذا جعلته خاليا من الكتابة والإعجام وقوله تعالى :
فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ
[ الأنبياء : 94 ] إشارة إلى أن ذلك مثبت له ومجاز به .
قوله : وهو نور القلب قال سهل رحمه اللّه حياة الروح بالذكر وحياة الذكر بالمذكور .
هامش
( 1 ) في أوائل سورة البقرة .