قوله تعالى :
[ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 5 ]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 5 )
قوله : ( يعادونهما فإن كلا من المتعاديين في حد غير حد الآخر ) بيان وجه التعبير بالمحادة عن المعاداة قوله في حد حسي أو معنوي غير حد الآخر أي غير طريق الآخر فظهر حسن التعبير وأما الداعي إليه فلأن فيه مبالغة إذ العداوة الكاملة شأنها ذلك وهذا باعث اختيار المجاز .
قوله : ( أو يضعون أو يختارون حدودا غير حدودهما ) أي حدود الكفر إذ هي غير حدودهما كأئمة الكفر فإنهم وضعوا حدود الكفر واتبعهم كثيرون فصاروا ضالين ومضلين قاتلهم اللّه أنى يؤفكون وكذا أئمة البدعة في الاعتقاد وإن لم يؤد إلى الكفر وأما البدعة في الأعمال فليس بهذه المرتبة وإن وجب الاحتراز عنه وكذا الكلام في قوله أو يختارون فإن مآلهما واحد وإن كان الاختيار أعم من الوضع ولذا قابله بل الوجوه الثلاثة متحدة مآلا لأن المعاداة إنما هي بوضع حد غير حد اللّه تعالى وبالعكس قال الفاضل السعدي وفيه وعيد عظيم للملوك والأمراء السوء الذين وضعوا أمورا خلاف ما حده الشرع وسموها يساق وقانونا انتهى وهذا لا يتناول وضع قانون لا يخالف ما حده الشرع ولعل قانون أمراء الإسلام من هذا القبيل وإن كان الاحتراز عنه أولى ويساق بمثناة تحتية وسين مهملة وضع قانون للمعاملة ويقال يسق لفظ غير عربي وما نقل عن الشيخ بهاء الدين أنه صنف رسالة في كفر من يقول بالقانون والشرع إذا قابل بينهما وقد قال اللّه تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[ المائدة : 3 ] وقد وصل الدين إلى مرتبة من الكمال لا يقبل التكميل وإذا جاء نهر اللّه بطل نهر معقل ولكن أين من يعقل انتهى فمحمول على وضع قانون يخالف حدود اللّه دون قانون لم يخالف حد الشرع مثل قانون الوقف وغيره فتدبر .
قوله : ( اخزؤوا وأهلكوا وأصل الكبت الكب ) اخزؤوا من الخزي وهو الذل مع الهوان قال المصنف في البقرة وهو ذل يستحيي منه وأهلكوا كعطف تفسير لما قبله قوله وأصل التركيب الكب وهو الإلقاء على الوجه فيلزمه الخزي والإهلاك فيكون المعنى المذكور مجازا مرسلا ( يعني كفار الأمم الماضية ) .
قوله : ( تدل على صدق الرسول وما جاء به ) عطف على صدق الرسول لا على قوله : أو يضعون بمعنى يضعون قدرهما ولا يعظمونها وهذا مجاز لأن المحادة لازمة للوضع وترك التعظيم وأصل الكبت الكب فاستعمل ههنا بمعنى الإخزاء على سبيل المجاز لكون الإخزاء لازما للكبت قال الراغب قال :
عَذابٌ مُهِينٌ
[ المجادلة : 5 ] لأن قبله
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ المجادلة : 5 ] قد جعل الكبت جزاء من آثر حربا عن حرب اللّه ورسوله وحدا غير حدهما ووصف العذاب الذي ينزل به الذل والهوان ويشهد بذلك ما جاء في خاتمة السورة
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ
[ المجادلة : 20 ] .