تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
معجبا انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجابا ثم هاج أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطاما ) وهو تمثيل لها في سرعة والمراد بالمثل الصفة العجيبة والشأن الغريب فهو مشبه به محسوس والمشبه هو شأن الأمور الدنيوية كما قرره المصنف تمثيل لها أي تمثيل للحياة الدنيا وأمورها قوله في سرعة تقضيها أي فنائها السرعة المراد بها السرعة بالنظر إلى ما هو باق كحياة الآخرة فإن حياة الدنيا بالنسبة إليها مثل ساعة من النهار قوله بحال نبات أشار به إلى أن المشبه به حال نبات ودخول الكاف على مثل غيث لكونه سببا لنباته فاستوى الفاء فصيحة أي أخرج شطأه فآزره فاستوى على سوقه أعجب به الحراث جمع حارث الكافرون باللّه أول الكفار بالحراث لأنه يقال للحارث كافر بمعنى ساتر لغة لأنه يستر البذر في الأرض فحمل الكفار على المعنى اللغوي لأن الحارث أول من يشاهده ويداوم على نظره ولذا قال في سورة الفتح :
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
[ الفتح : 29 ] الآية ثم جوز بقاءه على ظاهره فقال أو الكافرون باللّه تعالى قوله لأنهم أشد تعجبا الخ بيان وجه التخصيص سواء كانوا حراثا أو لا كما أن الحراث يعم الكافر وغيره فبينهما عموم وخصوص من وجه قوله ولأن المؤمن من تتمة التعليل أي المؤمن لم يعجبه الغيث بل يعجبه قدرة الصانع فاعجابه الغيث ونباته كلا إعجاب لانتقاله منه إلى الأهم ولذا خص الكفار بالذكر والفرق بين الوجهين ظاهر مما ذكرناه وأن في الأول إثبات الإعجاب للمؤمن لعموم الحراث له بحسب الظاهر واثباته ظاهرا لا ينافي نفيه في الحقيقة في الوجه الثاني قوله انتقل فكره الخ ولذا قيل ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه معه وأبلغ منه ما قيل ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ثم هاج أشار إلى أن المضارع بمعنى الماضي بقرينة أعجب الكفار والأحسن أن يكون الماضي والمضارع للاستمرار إذ الحكم كذلك إلى يوم القيامة فاصفر معنى فتراه مصفرا للتنبيه على ماضويته قوله ثم صار الخ معنى ثم يكون حطاما أي يكون بمعنى صار للانتقال وقد عرفت أن ثم في الموضعين لا ينافي سرعة التقضي ولك أن تقول إن ثم فيهما للاستبعاد الحطام ما يبس وتكسر والهيجان بمعنى اليبس فهو أعم من الحطام ولذا ذكر أولا قوله
يَهِيجُ
[ الحديد : 20 ] ثم حطاما . قوله : ( ثم عظم أمور الآخرة بقوله :
وَفِي الْآخِرَةِ
[ الحديد : 20 ] الآية ) ثم عظم عطف على قوله حقر الخ على الترتيب إذ أمور الدنيا مقدمة . قوله : ( تنفيرا عن الانهماك في الدنيا وحثا على ما يوجب كرامة العقبى ثم أكد ذلك بقوله :
وَمَغْفِرَةٌ
[ الحديد : 20 ] الآية ) تنفيرا عن الانهماك بيان وجه تقديم ذكر العذاب الشديد على المغفرة وحثا على ما يوجب الخ وجه كونه حثا على ذلك لأن التنفير عن الانهماك في الدنيا مستلزم للترغيب والحث على ضده وهو المجاهدة في الأعمال المؤدية إلى كرامة العقبى ولذا قال ثم أكد ذلك بقوله الخ فلا ينبغي أن يقال ينبغي تأخيره إلى قوله ثم أكد الخ عن قوله :
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ
[ الحديد : 20 ] الآية نظيره النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 464 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر