قوله : ( أو المبالغون في الصدق فإنهم آمنوا وصدقوا جميع أخبار اللّه ورسله والقائمون بالشهادة للّه ولهم أو على الأمم يوم القيامة ) أو المبالغون أي ليس المراد بهم الصديقين المتعارفين بل المراد المبالغون في الصدق فحينئذ لا يعتبر قيد المنزلة وكذا المراد بالشهداء القائمون بالشهادة للّه بالوحدانية وجميع صفات الكمال ولهم وللرسل بالإيمان وحقية رسالتهم أو على الأمم يوم القيامة كما مر بيانه في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] الآية أخر هذا المعنى مع أنه لا يحتاج فيه إلى قيد المنزلة لأن المعنى الأول هو المتعارف في اصطلاح الشرع مع أن فيه زيادة مدح بأنهم بمنزلة المشهورين بعلو الرتبة ورفعة المحل .
قوله : ( قيل
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ الحديد : 19 ] مبتدأ وخبر والمراد بهم الأنبياء من قوله :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
[ النساء : 41 ]
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ الحديد : 19 ] مبتدأ الواو للابتداء لا للعطف وهو خلاف الظاهر ولذا مرضه والمراد بهم الأنبياء عليهم السّلام فهي من الشهادة فهم يشهدون على الأمم .
قوله : ( أو الذين استشهدوا في سبيل اللّه ) فهي من الشهود وعلى التقديرين عند ربهم للتشريف لهم لأنه استعارة تمثيلية كما مر مرارا أخره لأن الأول راجح مبنى ومعنى .
قوله : ( مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ) ففيه تشبيه بليغ وتفكيك الضمير وهذا على الوجه الأول من أن المعنى بمنزلة الصديقين الخ .
قوله : أو هم المبالغون في الصدق هذا الوجه مبني على أن اللام في الصديقين للجنس وإن الحمل ليس على وجه التشبيه بخلاف الوجه الأول فإن اللام فيه للعهد والحمل مبني على التشبيه أي هم المعهودون المشهورون بالصدق البالغون أقصى درجات الخواص قال الضحاك هم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب ألحقه اللّه بهم لما عرف من صدق نيته .
قوله : وقيل
الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ الحديد : 19 ] مبتدأ وخبر فعلى هذا يكون مفصولا عن حكم ما تقدم .
قوله : مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ولكن من غير تضعيف في أجر الصديقين إذ لو اعتبر التضعيف في أجر الصديقين لا يكون أجر المؤمنين مثل أجرهم بل يكون أجرهم أنقص من أجرهم والحاصل أن أجر المؤمنين مع التضعيف يساوي أجر الصديقين وحده بدون التضعيف وتمام التحقيق أن لكل مكلف أجرا يستحقه بسبب العمل وله زيادة عليه وفضل فإذا اعتبر جزاء المؤمنين مع ذلك الزيادة تساوي أجر الصديقين وحده فيبقى للصديقين الفضل عليهم بما يزاد على الجزاء وبهذا ظهر التفاوت قوله من غير تضعيف جواب لسؤال أورده صاحب الكشاف بقوله فإن قلت كيف يسوى بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت ثم أجاب عنه على أصل الاعتزال بقوله قلت المعنى إن اللّه تعالى يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع إضعافه أجر أولئك قال الطيبي رحمه اللّه هذا الجواب بناء على قاعدة الاعتزال وهذا لعمري تكلف وركوب على التعسف ويمكن أن يقال إن قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
مقابل لقوله :