تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
قوله : ( لكن من غير تضعيف ليحصل التفاوت ) لكن من غير تضعيف أي من غير تضعيف أجورهم لقرينة تفاوت الفريقين في الرتبة والشرف فالتشبيه في الكيف دون الكم مع أن التشبيه يقتضي المغايرة فلا إشكال بأنه يلزم التساوي في الأجور والنور وليس كذلك . قوله : ( أو الأجر والنور الموعودان لهم ) فحينئذ لا تشبيه في الكلام قوله الموعودان لهم أشار به إلى أن لهم في نية التأخير فحينئذ يحتاج إلى التأويل بما ذكره من قوله الموعود أن لهم ليفيد الإخبار إذ بعد الإضافة لا فائدة في الإخبار بقوله لهم وفيه رمز إلى أن عامل لهم الموعودان وإن كان ظرفا مستقرا إذ تقدير الفعل الخاص عند قيام القرينة عليه أفيد كما مر بيانه مرارا وهذان الأجر والنور الموعودان في الحقيقة ما مر ذكره من قوله مثل أجر الصديقين الخ فالمآل واحد . قوله : ( فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث إن التركيب يشعر بالاختصاص والصحبة تدل على الملازمة عرفا ) وفيه دليل أي هذا من جملة الأدلة الدالة على ذلك فإن آيات كثيرة صريحة في ذلك مع الإجماع على عدم خلود فساق المسلمين في النار ووجه إشعار التركيب بالاختصاص تعريف الطرفين واختيار اسم الإشارة المفيد أن استحقاقهم لذلك بما تميزوا به من الكفر والتكذيب والأولى الاستدلال بالإجماع
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا
[ البلد : 19 ] جمع مضاف يفيد الاستغراق فيتناول جميع آيات اللّه المختلفة الأنواع ومكذبها يكون مفرطا في الكذب لكثرة ما كذب به فيبقى أن يفسر ما يقابله من قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
[ الحديد : 19 ] بالشمول والاستغراق ولذلك جمع الرسل لأن من آمن باللّه وبجميع ما يجب أن يؤمن به من صفاته وأفعاله وبجميع رسله وما يضاف وينبت إليهم يكون مفرطا في الصدق لكثرة ما صدق به فحينئذ يصح حمل الصديقين على أولئك ويقع ضمير الفصل موقعه تعريضا بالمكذبين ويكون المراد بالشهداء القائمين بالشهادة كما في قوله تعالى :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] وأما قوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
[ الحديد : 19 ] فقد وقع مقابلا لقوله :
أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ
[ الحديد : 19 ]
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ
[ الحديد : 19 ] فيجب أن يقدر في كل من المتقابلين ما هو مذكور في الآخر ويؤيد هذا التأويل ما رواه الواحدي
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ
[ الحديد : 19 ] قال مجاهد كل من آمن باللّه ورسله فهو صديق وتلا هذه الآية وقال مسروق هذه الآية للشهداء خاصة هم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم وهو قول مقاتل واختيار الفراء والزجاج . قوله : أو الأجر والنور الموعود أن لهم فعلى هذا يكون الضمائر الثلاثة في
لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا
[ الحديد : 19 ] بخلاف الوجه الأول فإن الضمير الأول فيه لهم والضميرين الآخرين للصديقين . قوله : فيه دليل على أن الخلود بالنار مخصوص بالكفار معنى الاختصاص مستفاد من تعريف المسند والمسند إليه وتوسيط أولئك بينهما فإنه بمنزلة ضمير الفصل في مقابليهم فكأنه قيل إنهم أصحاب النار لكن عبر باسم الإشارة دون الضمير إيماء إلى معنى التعليل ومعنى الخلود مستفاد من لفظ أصحاب الدال على الصحبة الدالة على الملازمة والدوام في استعمال العرف .