على الوجهين قوله أو من الثقلين فلا تغليب حينئذ لكن التخصيص خلاف الظاهر ولذا اخره وكذا يهلك ما في جوف الأرض وفي السماء بل الأرض والسماء أيضا وإلى ذلك أشار بقوله :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[ الرحمن : 27 ] حيث حصر البقاء في ذاته تعالى وفهم منه أن ما سوى اللّه تعالى وصفاته فإنه هالك ولو لحظة وقد لوح إليه المصنف بقوله ولو استقريت جميع جهات الموجودات الخ فإن هذا بناء على ما ذكرناه وقد مر الكلام فيه في قوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] الآية وتخصيص من عليها بالذكر لأنه أقرب إلينا وإخبار فنائه أشد تذكيرا واتعاظا .
قوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 27 ]
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 )
قوله : ( ذاته ) فالوجه مجاز مرسل بمعنى الذات وهو مجاز شائع فيما يمكن الوجه وكذا هنا أيضا لكن هذا مسلك المتأخرين والمتقدمون لم يأولوا بهذا التأويل بل حكموا بأنه صفة له تعالى أصله معلوم وكيفيته مجهولة كما بين في فن الكلام .
قوله : ( ولو استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه اللّه تعالى أي الوجه الذي يلي جهته ) هذا تفسير آخر للوجه أي المراد بالوجه ليس بمعنى العضو المخصوص مجازا عن الذات كما في الوجه الأول بل بمعنى الجهة التي نقصد ونتوجه إليها فإنه موضوع لهذا في اللغة ويصح إرادته أيضا كما بينه وتوضيحه أن الممكن لما لم يكن ذاته مقتضيا وجوده ولا عدمه وواجبا بالنظر إلى علته فله جهتان فبالنظر إلى جهة كونه ممكنا في نفسه غير مقتض وجوده يكون معدوما في حد ذاته وهو معنى الفناء هنا لا الهلاك بالفعل وبالنظر إلى أنه واجب وجوده بالنظر إلى علته لا يطلق عليه العدم بل هو باق ببقاء علته فالمعنى حينئذ كل من عليها بل جميع الموجودات كما ذكرناه فإن أي معدوم من جهة كونها ممكنة حادثة غير موجبة لوجودها وباق من جهة كونها واجبا وجودها بالنظر إلى علتها المقتضية لوجودها وقد أشار إلى ما ذكرنا المحقق صدر الشريعة في التوضيح في المقدمات الأربعة واتضح معنى قوله أي الوجه الذي يلي جهته تعالى وهو كونه واجبا وجوده باق غير فان ببقاء علته التامة وللعلماء في حل هذا المقام أقوال كثيرة قد تصدى لبيانها بعض المحشين وما ذكرناه مما سنح بالبال والعلم عند اللّه الملك المتعال ذكر هذا الوجه الدقيق بعد ذكر الوجه الصحيح المتبادر فإنه المناسب للمقام لأن فيه مزيد تذكير واتعاظ ولذا لم يذكره صاحب الكشاف ولم يلتفت إليه صاحب الإرشاد وفي إضافة الرب إليه عليه السّلام مزيد لطف وإشارة إلى بقاء دينه .
فجيء بلفظ من وأما إذا أريد الثقلان وهما الإنس والجن لا يحتاج إلى التأويل فإن قيل لم قيل كل من عليها فان ولم يقل كل شيء فان
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[ الرحمن : 27 ] كقولك :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] أجيب بأن قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 28 ] مرتب في كل مرة على الآية السابقة عليه فوجب تخصيصه بالعقلاء .