قوله : ( يتجاوران ) منفهم مما بعده وأيضا هذا مقتضى إرسالهما .
قوله : ( ويتماس سطوحهما ) معنى يتجاوران لأن التجاور قد يكون بدون ذلك التماس « 1 » ولو اكتفى بقوله ويتماس سطوحهما لكان أولى .
قوله : ( أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط ) ولا يقال فيه يتجاوران ويتماس سطوحهما إذ بينهما حاجز من الأرض فحينئذ قوله تعالى :
يَلْتَقِيانِ
[ الرحمن : 19 ] أما حال مقدرة إن كان المراد إرسالهما إلى المحيط أو اتحاد أصلهما إن كان المراد إرسالهما منه ولكل وجهة لكن الأوفق بقوله :
يَلْتَقِيانِ
[ الرحمن : 19 ] بعد قوله :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
[ الرحمن : 19 ] المعنى الأول وكلام المص يميل إلى الثاني حيث قال لأنهما خليجان أي شعبتان .
قوله : ( لأنهما خليجان ينشعبان منه ) تفسير له لأنه حينئذ يكون الإرسال منه لا إليه فالوجه الأول لا يلائم كلام المصنف وكون البحر المحيط أصلا لهما إذا كان المراد بحر فارس والروم دون الأول فإن البحر العذب لا ينشعب من المحيط قال المصنف في سورة الفرقان كدجلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها في حل المعنى الأول ولا ريب أن إرسال الدجلة ونحوها إلى المحيط لا منه اللهم إلا إذا أريد التغليب فالكلام منتظم إليه أيضا وينكشف منه أن المراد بالبحرين أحدهما النهر الكبير لأن مائه عذب ففيه تغليب على الوجه الأول .
قوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 20 ]
بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 )
قوله : ( حاجز من قدرة اللّه تعالى أو من الأرض ) هذا على الوجه الأول فالبرزخ معنوي ح قوله أو من الأرض على المعنى الأخير ففيه لف ونشر مرتب .
قوله : ( لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية ) لا يبغي أحدهما وهو البحر الملح فالإضافة للعهد إذ لا مجال لبغي النهر الكبير على البحر هذا بيان حالهما قبل تغير طعم الماء العذب وبعد تغيره وتغير لونه لبغى البحر على النهر بالممازجة كما هو مشاهد بالحس .
قوله : حاجز من قدرة اللّه تعالى قال الراغب البرزخ الحاجز والحد بين الشيئين والبرزخ أيضا الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل في الآخرة وذلك إشارة إلى العقبة المذكورة في قوله تعالى :
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
[ البلد : 1 ] وقال تعالى :
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[ المؤمنون : 100 ] وتلك العقبة موانع من أهوال لا يصل إليها إلا الصالحون .
قوله : لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية هذا ناظر إلى أن يراد بالبرزخ الحاجز من قدرة اللّه وقوله ولا يتجاوزان أحدهما بإغراق ما بينهما ناظر إلى أن يراد به الحاجز من الأرض .
هامش
( 1 ) والتماس قبل تغير طعم الدجلة ونحوها فإذا تغير واضمحل فلا تماس ولا بحرين .