مما ترتب على فناء الكل أي كل المكلفين وهو المذكور في الكشاف لما عرفت أنه لم يتعرض الوجه الثاني ولما كان الفناء مزيلا للنعمة ظاهرا حاول وجه كونه نعمة بأنه موصل إلى الحياة الأبدية الحقيقة وترتب عليه النعيم المقيم هذا في حق السعداء ظاهر وأما في حق الأشقياء فلأنهم أضاعوا ذلك بالكفر إذ المقصود من الإبداء والإعادة الإثابة وأما العقاب فساقهم إليه شركهم ومعاصيهم وإنما قال إفناء الكل لأن الفناء إنما يكون بالإفناء والإفناء من صفات اللّه تعالى وهو أحق بأن يعد نعمة وإن كان الفناء أيضا نعمة واو الفاصلة لعدم اجتماع الوجهين ولم يذكر كون بقاء الرب نعمة لما عرفت أن كونه نعمة باعتبار إبقائه ما لا يحصى وفي المعنى الأول وهو المعول لا يعتبر فيه الإبقاء بل يعتبر فيه الإفناء والإعدام ومنه انكشف وجه تعبيره بالإفناء المقابل للإبقاء وأما الفناء فهو عند المصنف محتمل كون الفناء في حد ذاته مع بقائه بعلته فالنعمة في هذه الصورة الإبقاء وكونه معدوما بالموت والهلاك فتكون النعمة في هذه الصورة الإفناء ولذا لم يعد الفناء نعمة في نفسه بل عد الإبقاء نعمة مرة والإفناء أخرى وللّه دره ما أدق اعتباره والإبقاء والإفناء إنعام وقد يطلق النعمة على الإنعام فلا تغفل .
قوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 29 ]
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 )
قوله : ( يسأله ) للاستمرار من في السماوات الظاهر أن من للتغليب قوله والأرض أي ومن في الأرض .
قوله : ( فإنهم مفتقرون إليه في ذراتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم ويعن لهم ) في ذواتهم بدء وهو ظاهر وبقاء لأن الممكنات الحادثة كما تحتاج إلى علة حال حدوثها كذلك مفتقرة إليها في حال بقائها .
قوله : ( والمراد بالسؤال ما يدل على الحاجة إلى تحصيل الشيء نطقا كان أو غيره ) وفيه إشارة إلى أن السؤال مجاز عما يدل على الحاجة فيتناول السؤال بالنطق وغيره بطريق عموم المجاز فهو جائز بالاتفاق .
قوله : ( كل وقت يحدث أشخاصا ويجد أحوالا على ما سبق به قضاؤه ) أشار به إلى أن المراد به الوقت لا بياض النهار فالمراد الوقت بل الآن قيل عليه إنه بحسب الظاهر مخالف لما مر تفسير قوله تعالى :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
[ القمر : 50 ] الآية لاقتضائه عدم التدريج ولذا قيل جف القلم فالتوفيق بينهما أن الأول باعتبار تقديره في الأزل وهذا باعتبار في تعلق الإرادة وإحداثه في وقته المعين له كما قيل إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها وهذا معنى قوله يحدث الخ . انتهى وأنت تعلم أن قول المصنف هناك إلا فعلة واحدة وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة يدفع هذه المخالفة الظاهرة لأن فيه لا تعرض لعدم التدريج قوله وهو الإيجاد يمنع حمله على تقديره في الأزل وحاصل كلامه أن إيجاده تعالى واحدة وحدة نوعية وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة ومشقة وهو عين ما ذكر هنا كما لا يخفى .