المقصود ) أي القراء السبعة اتفقوا على النصب مع أنه محتاج إلى اضمار الفعل قبل كل شيء دون قراءة الرفع لما فيه نص في المقصود وهو كون شيء جوهرا أو عرضا أفعال العباد بل أفعال الحيوان مخلوق له ملتبسا بقدر بخلاف الرفع فإنه يوهم خلاف المقصود كما عرفته ومراده أن قراءة النصب منقولة من النبي عليه السّلام تواترا دون الرفع لما ذكر من النص على المقصود ولكونها متواترة اتفق السبعة على النصب لا أن اتفاقهم للنص على المقصود من تلقاء أنفسهم وهذه المسامحة كثيرة في كلام المصنف وغيره فظهر من مجموع هذا البيان أنه لا تمسك للمعتزلة بهذه الآية على مذهبهم ولو سلم أنه من قبيل المفهوم والمفهوم لا يعارض المنطوق الدال على أن كل شيء مخلوق له تعالى وهو أكثر من أن تحصى .
حينئذ إن كل شيء مخلوق للّه بقدر وهو يوهم أن ما هو مخلوق لغير اللّه ليس بقدر ولما كانت القراءة بالرفع محتملا للمقصود وغيره والقراءة بالنصب نصا في المقصود كان النصب أولى من الرفع وذلك هو السر في إجماع السبعة على النصب مع أن الكلام في الرفع أخصر لأنه النصب ملتئم من جملتين وفي الرفع جملة واحدة قال صاحب الكشاف كل شيء منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر وقرىء كل شيء بالرفع قال أبو البقاء كل شيء بالنصب العامل فيه محذوف وبقدر حال من الهاء أو من كل شيء أي مقدرا ويقرأ بالرفع على الابتداء وخلقناه نعت لكل أو نعت بشيء وبقدر خبره وإنما كان النصب أقوى لدلالته على عموم الخلق والرفع لا يدل على عمومه بل يفيد أن كل شيء مخلوق هو بقدر وذهب ابن الحاجب إلى أن كل شيء مبتدأ وخلقناه خبره وبقدر حال والمجموع خبر ان فيفيد المعنى المقصود من الآية لكن لا يأمن من أن يغلط بعض فيجعل
خَلَقْناهُ
[ القمر : 49 ] صفة لكل شيء و
بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] خبرا له فيكون التقدير كل شيء مخلوق لنا بقدر فيبعد عن المقصود لأنه يوهم وجود شيء ليس بقدر لأنه غير مخلوق له تعالى فكان النصب أولى لما فيه من النصوصية على المقصود قال صاحب الانتصاف ما مهده النحاة اختيار رفع كل ولم يقرأ بها أحد من السبعة لأن رفع الكلام مع الرفع جملة واحدة ومع النصب جملتان فالرفع أخصر ولا مقتضى للنصب ههنا من الأمور الستة من الأمر والنهي إلى آخرها وإنما وقع إجماع السبعة على النصب لأنه لو رفع لكانت خلقناه صفة لشيء ويقدر خبرا عن كل شيء المقيد بالصفة ومعناه أن كل شيء مخلوق لنا بقدر فيوهم ذلك أن مخلوقا مما يضاف إلى غير اللّه ليس بقدر وعلى النصب يصير الكلام إنا خلقنا كل شيء بقدر فيفيد عموم نسبة كل مخلوق إلى اللّه تعالى وهذه الفائدة لا يوازيها الفائدة اللفظية مع ما فيها من نقص المعنى لا جرم اجتمعت السبعة عليها ولما كان الزمخشري يرى أن أفعال العباد مخلوقة لهم استروح إلى قوله الرفع وإن كان شاذة وإجماع المتواترة حجة عليهم قال بعض العلماء في الفرق بين القدر والقضاء إن القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل ولهذا قال أبو عبيدة لعمر رضي اللّه عنه لما أراد الفرار من الطاعون بالشام اتفر من القضاء قال أفر من قضاء اللّه إلى قدر اللّه تنبيها على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه فإذا قضى فلا مدفع له ويشهد بذلك قوله تعالى :
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
[ مريم : 21 ]
كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
[ مريم : 71 ] .