اكتفاء بالأدنى تنبيها على أنه يكفي في صحة المعنى ولا يتوقف على وجود القرون المتعددة .
قوله : ( أو كذبوه بعد ما كذبوا الرسل ) فعلى هذا مفعول كذبت محذوف أي الرسل والمكذب بالكسر واحد والمكذب بالفتح متعدد عكس الثاني والفاء للتعقيب أيضا لا للتفصيل وفي الكشاف أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل فعلى هذا الفاء سببية ويمكن حمل كلام المصنف عليه بالعناية في قوله بعد ما كذبوا الرسل أي لأجل تكذيب الرسل مطلقا فإن المعلول بعد العلة ذهنا فإن المراد إنكار النبوة رأسا كما صرح به الزمخشري لا أنهم كذبوا رسلا أرسلوا إليهم ويؤيده قول المصنف في قوله تعالى :
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ
[ الفرقان : 37 ] الآية كذبوا نوحا ومن قبله أو كذبوا نوحا وحده ولكن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل أو بعثة الرسل مطلقا كالبراهمة انتهى فتأمل عرض المصنف ذينك الوجهين لأن الظاهر الاتحاد فيهما لأن الثاني يتوقف على تعدد المكذبين والثالث موقوف على تعدد المكذبين بالفتح بأن أرسل إليهم رسلا قبل نوح فكذبوهم واثباته مشكل وعن هذا تمحلنا فيه كما عرفته كما أن اثبات تعدد المكذبين بالكسر مشكل .
قوله : ( هو مجنون ) لأن مقول القول يكون فلا بد من تقدير المبتدأ .
قوله : ( وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية ) فلا يكون من جملة قولهم بل ابتداء كلام من اللّه تعالى عطف على قالوا أو استئناف وهو الظاهر .
قوله : ( وقيل إنه من جملة قيلهم أي هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته ) مرضه لأن الاحتمال الأول فيه ذم بليغ لهم بأنهم لم يكتفوا بالتكذيب بل نسبوه إلى الجنون ثم لم يكتفوا به بل منعوه عن التبليغ بأنواع الأذى كالشتم والضرب كما سيجيء وقيل مرضه كأنه لما مسه الجنون من الجن عدل عن مسلك العقلاء فشبه بمن زجرته الجن وصرفته عن طرق الصواب ففيه استعارة حينئذ ولا قرينة عليه ولا يخفى أن الجن له استيلاء على المجنون كما أشير إليه في قوله تعالى :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
[ البقرة : 275 ] الآية .
قوله تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 10 ]
فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 )
قوله : ( بأني وقرىء بالكسر على إرادة القول ) « 1 » أي بطريق التضمين ليعمل في الجملة .
قوله : ( غلبني قومي فانتقم لي منهم ) غلبني قومي فلم يطيعوني بل عصوني وآذوني ولذا فرع عليه قوله :
فَانْتَصِرْ
[ القمر : 10 ] فانتقم لي منهم وهذا معنى الانتصار هنا لأنه مطاوع نصر أي فانصرني فاجعلني منتصرا ولقصد المبالغة قال فانتصر بدل فانصرني ولذا قال المصنف فانتقم لي منهم وانتقام الملك الجبار أشد وأبقى .
هامش
( 1 ) هذا مسلك البصريين وأما الكوفيون فيكتفون في مثله لكونه من جنس القول .