قوله : ( وذلك بعد يأسه منهم ) استئناف جواب سؤال بأن الأنبياء عليهم السّلام يبعثون للإرشاد إلى الحق وإيضاح السبل فكيف ينبغي لهم الدعاء بهلاك قومهم فأجاب بما ترى قوله فيخنقه من باب نصر .
قوله : ( فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه فيفيق ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) أي اللهم اهد قومي فاغفر لهم فلا إشكال بأنه كيف يصح دعاء الكفار بالمغفرة وعلل بأنهم لا يعلمون الحق فلذا فعلوا معي ما فعلوا فلو علموا لما فعلوا فيا ربنا اهد قومي إلى الصراط المستقيم حتى يؤمنوا بقلب سليم ثم لما آيس عن إيمانهم دعا بالهلاك تطهيرا للأرض عن الكفر والمناهي .
قوله تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 11 ]
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 )
قوله : ( منصب وهو مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها وقرأ ابن عامر ويعقوب ففتحنا بالتشديد لكثرة الأبواب ) وتمثيل لكثرة الأمطار أي استعارة تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة من المطر ونزوله ووقفه من الفلك أو من السحب على وجه المبالغة بالهيئة المأخوذة من انصباب أنهار انفتحت لها أبواب السماء وشق لها أديم الأرض فذكر ما وضع للمشبه به وأريد المشبه وهذا المشبه به هو المفروض المتخيل لا المحقق وإسناد الفتح إلى نون العظمة يزيد مبالغة والباء في
بِماءٍ مُنْهَمِرٍ
[ القمر : 11 ] للاستعانة والآلة وهي أبلغ من الملابسة قيل ولو أبقى على ظاهره من غير تجوز لم يمنع منه مانع إذ ورد في الأحاديث أن السماء لها أبواب وأن بعض الأنهار يخرج منها كالنيل والفرات فلا مانع من حمله على الحقيقة أيضا وهو ضعيف جدا أما أولا فلأن الفاء في ففتحنا ينادي أن الفتح وجد عقيب دعائه عليه السّلام ولا يراد به الفتح الذي قبله وأما ثانيا فلأن الفتح على الوجه المذكور غير ما ورد في الأحاديث وأنه لما لم يكن حمله على ظاهره اختير الاستعارة التمثيلية وأنها أبلغ قوله لكثرة الأبواب أي التفعيل لتكثير المفعول مثل غلقت الأبواب ويلزمه كثرة الفعل .
قوله تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 12 ]
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 )
قوله : ( وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون متفجرة ) إذ النبوع أولا من التنور في مسجد كوفة أو غير ذلك وارتفع الماء واستوعب الأرض كلها فكأنها عيون لا عيون على الحقيقة قوله وجعلنا الأرض أي التفعيل للتعدية قوله كأنها الخ أي الكلام على التشبيه البليغ .
قوله : ( وأصله وفجرنا عيون الأرض فغير للمبالغة ) إذا التمييز من النسبة وهو إما قوله : فغير للمبالغة فإن فجرنا الأرض عيونا يفيد من المبالغة في العموم ما لا يفيده فجرنا عيون الأرض وهو مثل
اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[ مريم : 4 ] أو اشتعل بيتي نارا فإنهما يفيدان من العموم ما ليس يفيده اشتعل شيب رأسي واشتعل النار في بيتي .