قوله : ( يقول الكافرون صعب ) يقول الكافرون اظهر موضع المضمر للتسجيل على كفرهم وللإشارة إلى أن كونه عسيرا لكفرهم والعسر لشدة الحساب وطول الموقف في العرصات وشدة العذاب مع دوام الحجاب وهذا يشعر عدم صعوبته على المؤمنين صعوبته على الكافرين .
قوله تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 9 ]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 )
قوله : ( كذبت قبلهم ) شروع في تسلية الرسول عليه السّلام إثر بيان تكذيبه قومه بأنك لست بأوحدي في ذلك لأن الرسل قد كذبوا قبلك فصبروا ومن جملتهم نوح عليه السّلام فإن قومه كذبوه والتخصيص بالذكر لأنه الأب الثاني ولأنه أول من كذب من الرسل على الاحتمال الراجح .
قوله : ( قبل قومك ) الملائم للسوق أن يقال قبل قريش أو قبل أهل مكة .
قوله : ( نوحا وهو تفصيل بعد إجمال ) أي الفاء للتفصيل كقوله تعالى :
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ
[ هود : 45 ] الآية فالمكذب في المقامين واحد وهذا هو الظاهر المتبادر ولذا قدمه فإن فيه مزيد تقرير وتوضيح والتفصيل بعد الإجمال ولذا صدر بالفاء المفيد للترتيب والتعقيب .
قوله : ( وقيل معناه كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب ) كذبوه أي نوحا عليه السّلام تكذيبا على عقب تكذيب قوله على عقب تكذيب إشارة إلى معنى الفاء أي أنها للتعقيب لا للتفصيل ولذا قال معناه كذبوه بلا فاء .
قوله : ( كلما خلا منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب ) فالمكذب بكسر الذال متعدد والمكذب واحد وهو نوح عليه السّلام فحينئذ يكون من التنازع وفي الوجه الأول لا يكون منه إذ شرط التنازع أن لا يكون الثاني تأكيدا للأول وهنا كذلك فالفعل الأول نزل منزلة اللازم ومعنى قوله كلما خلى قرن منهم تبعه قرن مكذب آخر وهلم جرا ففيه قوله : وهو تفصيل بعد إجمال لما أوهم ظاهر قوله :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا
[ القمر : 9 ] التكرار أوله على ثلاثة أوجه الأول أن قوله :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ
[ القمر : 9 ] مجمل وقوله :
فَكَذَّبُوا عَبْدَنا
[ القمر : 9 ] تفصيل ذلك المجمل فلا تكرار والثاني أن المراد أنهم كذبوا تكذيبا بعد تكذيب والثالث أن متعلق التكذيب الأول الرسل جميعا ومتعلق الثاني نوح عليه السّلام والمعنى أن قوم نوح كذبوا الرسل فكذبوا عبدنا أي هم كانوا مكذبين بالرسل جاحدين النبوة فلذلك كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل قال صاحب الانتصاف مضى سؤال في قوله :
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا
[ سبأ : 45 ] إلى قوله :
فَكَذَّبُوا رُسُلِي
[ سبأ : 45 ] وأجاب الزمخشري أنه كقول القائل أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد أو أن الأول مطلق والثاني مقيد وليس بتكرار وهو كقوله :
فَتَعاطى فَعَقَرَ
[ القمر : 29 ] فإن تعاطيه هو نفس عقره لكنه ذكره من جهة عمومه ثم من ناحية خصوصه .