قوله : ( مبتدأ وخبر والضمير للثلاثة أو للذين اصطفى أو للمقتصد والسابق فإن المراد قوله : مبتدأ وخبر وفي الكشاف وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر فليحذر المقتصد وليهلك الظالم لنفسه حذرا وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب اللّه ولا يغترا بما رواه عمر رضي اللّه تعالى عنه عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له فإن شرط ذلك صحة التوبة لقوله :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
[ التوبة : 102 ] وقوله :
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
[ التوبة : 106 ] ولقد نطق القرآن بذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخدع إلى هنا كلام الكشاف قال البيهقي في كتاب البعث والنشور ومعنى سابقنا سابق أن من زادت حسناته على سيئاته فهو الذي يدخل الجنة بغير حساب ومقتصدنا ناج أن من استوت حسناته وسيئاته فهو يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة وظالمنا مغفور له أن من أوبق نفسه بالذنوب إما أن يدركه الشفاعة أو يغفر اللّه تعالى له بفضله أو يعذبه بقدر ذنبه ثم يخرجه ويدخله الجنة رواه البيهقي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهم قال الطيبي ولعمري هذا أي ما ذكره الزمخشري بعيد عن الذوق متعسف جدا وما دعاه إليه إلا تصحيح مذهبه ونحن معاشر أهل السنة نجعل المشار إليه لقوله :
ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
[ فاطر : 32 ] ما سبق من معنى الايراث كما في الوسيط ونجعل جنات عدن جملة مستأنفة قال محيي السنة
ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
[ فاطر :
32 ] يعني إيراثهم الكتاب ثم أخبر بثوابهم فقال
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها
[ فاطر : 33 ] يعني الأصناف الثلاثة وقال أبو البقاء جنات عدن خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ محذوف أو مبتدأ والخبر
يَدْخُلُونَها
[ فاطر : 33 ] فيتخلص بهذا التأويل من هذا المضيق ويسلم النظم من الانفكاك وهذا أولى مما ذهب إليه من وجوه أحدها أن سنة اللّه جارية في هذا الكتاب المجيد أن يقابل ذكر المؤمنين بذكر مخالفيهم ويقارن ذكر الجنة بذكر النار ولما ذكر أصناف المؤمنين وما إليه مصيرهم قابل به الكافرين وما إليه مصيرهم بقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ
[ فاطر : 36 ] فلو جعل بعض أولئك من أهل النار لبطل التقابل ولناقض تفسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ما رواه الترمذي عن أبي سعيد أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال في هذه الآية
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
[ فاطر : 32 ] قال هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة وثانيها أن قولهم
إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
[ فاطر : 34 ] لا يلتئم بما قبله إلا إذا جعل الشكور مقولا للسابق بالخيرات والغفور للظالم والمقتصد والعجب منه أنه كيف بادر إلى لفظ الشكور وقال دل الشكور على أن القوم كثير الحسنات وتقاعد عن لفظ الغفور في أنه دل على أن القوم كثير والسيئات وعن قول ابن عباس غفر العظائم من ذنوبهم وشكر اليسير من محاسن أعمالهم وروى الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه عن أبي الدرداء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد ما ذكر تفسير الفريقين قال وأما
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
[ إبراهيم : 45 ] أولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يلاقيهم اللّه برحمته فهم الذين يقولون
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
[ فاطر : 34 ] وفي المعالم مثله وثالثها أنه هل يليق ويستقيم أن يمدح اللّه في أول كلامه بقوله :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
[ فاطر : 32 ] وقد قال الزمخشري وهم أمته من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة لأن اللّه تعالى اصطفاهم على سائر الأمم
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل اللّه وحمل الكتاب الذي