مر من العدول إلى أقوى الدليلين وهو العقل أو سبب حمدهم ما ذكر في حيز الصلة ولما قصد حكاية عين ما حمدوا به قيل :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
[ الزمر : 74 ] ولم يجئ وحمدوا اللّه الذي صدق وعده الخ للإشعار بأن ما حمدوه جملة اسمية مفيدة للدوام واختصاص الحمد به تعالى حيث أتى بلام الجنس أو الاستغراق ولام الاختصاص قوله وحمدوا اللّه ساكت عن ذلك كله .
قوله تعالى :
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 74 ]
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 74 )
قوله : ( بالبعث والثواب يريدون المكان الذي استقروا فيه على الاستعارة ) ظاهره أن الاستعارة في الأرض بتشبيه المكان الذي استقروا فيه بأرض الدنيا وإن أرض الآخرة لا تسمى أرضا إلا مجازا وهو الذي أشار إليه في أواخر سورة إبراهيم حيث قال واعلم أنه لا يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل بالتبديل أرضا وسماء على الحقيقة وكلامه هنا بناء على ذلك إن تم تم وإلا فلا .
قوله : ( وإيراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث فيما يرثه أي يتبوأ كل منافي أي مقام أراده ) وإيراثها تمليكها الخ أشار إلى أن الإيراث مستعار لتمليكها مخلفة عن أعمالهم كما أن الإيراث تمليك مال الميت مخلفة عنه أو وجه الشبه التمكين من التصرف والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التمليك والاستحقاق من حيث إنها لا يعقب بفسخ ولا استرجاع ولا تبطل برد وإسقاط وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم كذا قاله في سورة مريم لم يتعرض له هنا لأنه مرضه هناك لكنه مؤيد بالخبر الصحيح .
قوله : ( من جنته الواسعة ) لا من جنة غيره فلا إشكال بأنه كيف يتبوأ كل منهم مقام جنة غيره مع أنه ممنوع بلا إذن فأشار إلى دفعه بأن العموم المستفاد من حيث نشاء ناظر إلى جنة كل منهم إظهارا للسرور التام بسعة جنته والقرينة على ذلك ظهور منع التصرف لمقام غيره .
قوله : ( مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها ) جواب ثان بحمل المقامات المنفهمة من قوله حيث نشاء على المقامات الروحانية فح يبقى العموم على بابه فإن معارف اللّه تعالى ومقاماتها غير متناهية فكلما ألقي في معرفة اللّه تعالى عصاه بدا له سفر ولا يستقر في محل كما أن حال العافين في الدنيا كذلك وهذا ما قاله الإمام من أن لنا جنتين جسمانية وروحانية ومقامات الثانية لا تمانع فيها فيجوز أن يكون في مقام واحد منها ما لا يتناهى من أربابها لكونها واسعة يتقلبون فيها لما يشتهون وهذه الجملة حالية والمعنى أورثنا مقامات الجنة المحسوسة حال كوننا نسرح في منازل الأرواح كما نشاء انتهى ولا بعد فيه لما عرفت أن حال العارفين في الدنيا كذلك ترقى العارفون في كل حين إلى مقام