من المعرفة والمقام الثاني أعظم شأنا من الأول وهكذا إلى غير النهاية وذكر بعضهم أن المراد بجنتان في قوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] جنة في الدنيا وهو التلذذ بمعارف اللّه تعالى وأنواع المبرات وطاعة اللّه تعالى وجنة في العقبى فإن أراد المصنف بذلك ما ذكرناه فلا ريب في حسنه وتلقي العقول بقبوله ولا يقال إنه يقتضي أن كل أحد يصل إلى كل مقام روحاني مع أن منها ما يختص بالأنبياء المكرمين والملائكة المقربين والظاهر أنه لا يصل إليها كل أحد من العارفين فلا بد من التقييد أيضا فما الفائدة في العدول عن الظاهر لأن ما يختص بالأنبياء الكرام والملائكة العظام من مقامات المعارف من جهة الكيف فقط كما كان في الدنيا كذلك مع أن المتعلق واحد فكذا في الآخرة .
قوله : (
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
[ الزمر : 74 ] ) وفصل تلك الآية بهذا القول ولم يجئ فنعم جزاء المحسنين لأنه أريد التعميم إلى المتدارك لتقصيره فإنه كالعامل لتحصيل بعض ما فوت على نفسه وإلى المحسنين الذين حافظوا على حدود اللّه تعالى وتخطوا إلى التخصيص بمكارمه ولعل تعبير الجزاء بالأجر لهذه النكتة الرشيقة .
قوله تعالى :
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 75 ]
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 75 )
قوله : ( الجنة
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ
) الخطاب لرسول اللّه عليه السّلام أو لمن يصلح للرؤية .
قوله : ( محدقين ) الإحداق الإحاطة كما تحيط الحدقة بالعين وحافين من الحفاف بمعنى الجانب جمع حاف ولما كان معناه الإحاطة لا يكون الواحد حافا وعلى هذا حمل قول الفراء أنه لا واحد له أي أن الواحد لا يكون حافا أي محيطا إذ الإحاطة لا تتصور بالشيء الواحد فأقلها ثلاثة أو اثنان وقيل إنه لم يرد استعماله وهذا يرجع إلى الأول في المآل لأنه لما لم يكن إحاطة شيء واحد بأمر لم يوجد استعماله حقيقة وكلاهما حسن إذ الإحاطة إنما هي بمعنى مجازاة جميع جوانبه ومقابلته بحيث لا يفوت المحاط المحيط قال المصنف في تفسير قوله تعالى :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
[ البروج : 20 ] لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط وأما إطلاق الإحاطة على دوران شخص واحد يأمر بالتدريج فمجاز بالتخيل كما تخيل قطر واحد نازل من جانب العو واحد خط فكذلك هنا لأن من دار بالبيت يحفظ حركته في الذهن والخيال فيتخيل بالحفظ المذكور أنه أحاط به بحيث لا يفوت المحاط منه فكأنه خط مستدير محيط به مثل إحاطة الجميع به .
قوله : ( أي حوله ومن مزيدة أو لابتداء الحفوف ملتبسين بحمده والجملة حال ثانية ) قوله : الجنة بيان للمخصوص بالمدح المقدر في فنعم أجر العاملين والمقام مقام الإضمار لأن التقدير فنعم أجر العاملين هي لسبق ذكر الجنة لكن صور المقدر بلفظ المظهر توضيحا .
قوله : محدقين قال مكي حافين نصب على الحال لأن ترى من رؤية العين وواحده حاف وقال الفراء لا واحد له .