تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
يمنع دخول العاصي بعفوه لأنه يطهره ) سبب لدخولهم أي سبب عادي قوله وهو لا يمنع دخول العاصي أي صاحب الكبيرة بعفوه متعلق بالدخول لأنه يصدق عليه أنه طاب من دنس المعاصي لأنه عام من الطاهر منه بالاجتناب عن المعاصي أو الطاهر منه بعفوه تعالى سواء كان بالشفاعة أو لا وهو رد على المعتزلة حيث جعلوا هذه الآية دليلا على عدم دخول صاحب الكبيرة في الجنة وهم وإن لم يعترفوا بعفوه تعالى لكنه مردود أيضا بالدليل الساطع وبذلك يتم الرد فيكون الجواب إلزاميا . قوله : ( وقالوا ) عطف على قال لهم وقولهم هذا سبب لحمدهم وعدم إتيان الفاء لما طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة واقتص بعضهم من بعض فلما هذبوا وطيبوا قال لهم الخزنة
طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
[ الزمر : 73 ] وقال الطيبي أيضا اعلم أن خاصية التركيب ومقتضى التأليف لا يساعد تفسير صاحب الكشاف السوق بقوله والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين ولا تأويله الذين اتقوا بقوله وقيل في زمر الذين اتقوا هي الطبقات المختلفة الشهداء والزهاد والعلماء والقراء لأن الآيات من باب الجمع مع التقسيم فإن قوله :
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ
[ الزمر : 70 ] جمع الأنفس كلها في حكم توفى أجور الأعمال صالحها وسيئها وقوله :
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الزمر : 71 ] وقوله :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
[ الزمر : 73 ] إلى آخر الآيات تقسيم لذلك الجمع وتفصيل لذلك المجمل وقد افترقها الذين كفروا والذين اتقوا على الكافرين والمتقين ليدل على العموم قال الزمخشري في قوله تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
[ هود : 113 ] نأمل قوله :
إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
[ هود : 113 ] أي الذين وجد منهم الظلم ولم يقل إلى الظالمين وأوقع في الموضعين زمرا حالا من ضميري الفريقين ليدل على أنهم على طرائق شتى أفواجا متفرقة على تفاوت منازلهم ومراتبهم كما ورد في حديث أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحشر الناس ثلاثة أصناف صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا على وجوههم واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وقوبل كل من المفصلين بالآخر فوجب أن يفسر
الَّذِينَ اتَّقَوْا
[ الزمر : 73 ] بما يكون مقابلا لقوله : الذين كفروا وكذبوا بآيات اللّه ورسله وباليوم الآخر وغلبت عليهم شقوتهم وحقت عليهم كلمة العذاب بأن يقال وسيق الذين اتقوا الشرك وآمنوا بآيات اللّه ورسله وباليوم الآخر إلى الجنة زمرا طيبين فرقة طابوا بالشفاعة وفرقة هذا بوبا لاقتصاص وأخرى نجوا بالمغفرة وأدركتهم كلمة ربهم الحسنى كما قال وينجي اللّه الذين اتقوا بمفازتهم كما حقت كلمة العذاب على أولئك الأشقياء وأما اختيار كلمة السوق وبناء الفعل للمفعول فللدلالة على عظمة الكبرياء والجلال وأيضا لا يليق بهذا المقام أن يقال وحثها إسراعا بهم إلى دار الكرامة كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك لأنه صدور من جناب ملك الملوك بعد قضاء الحق وتوفى الأجور ويمكن أن يجري على المشاكلة فإنه لما نسب السوق إلى الكفار وانضم معه مقام الجبروت والكبرياء قيل وسيق الذين كفروا وفي عكسه قوبل في الكهف وساءت مرتفقا وحسنت مرتفقا إلى هنا كلام الطيبي رحمه اللّه قوله أي يتبوء كل منا في أي مقام أراده من جنته الواسعة وينصره ما روى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على اللّه من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة .