تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
وجه المبالغة مختصان به تعالى وإن وجد أصلهما في غيره ظاهرة وصورة والوعد بالرحمة يفيد أنه غير مستحق لذلك لولا رحمته وهو إنما يكون بدون توبة كذا قيل ولا يلائمه قوله تعالى :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
[ البقرة : 37 ] فأفاد أن الرحمة بعد قبول التوبة وبعد التوبة متحققة أيضا . قوله : ( وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في عبادي من الدلالة على الذلة والاختصاص المقتضيين للترحم وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم والنهي عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة ) والاختصاص المستفاد من إضافة عباد إليه تعالى المفيد كونها مؤمنين في الأغلب وتخصيص ضرر الإسراف قال الإمام لأن معنى قوله :
أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ الزمر : 53 ] إن الضرر عائد إليهم فيكفيهم من تلك الذنوب عود ضررها على أنفسهم فلا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم انتهى ومراده أن للذنب إبعادا عن مرضات اللّه تعالى وكفى به مضرة وإن لم يعذب قوله لا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم أي بشرط التوبة فلا يشترط التوبة قوله مطلقا أي عن التقييد بالتوبة فالتقييد بها إخراج الكلام عن ظاهره قوله عن الرحمة متعلق بالقنوط وقد عرفت أن المراد الرحمة بعد المغفرة قوله : والوعد بالرحمة بعد المغفرة معنى الوعد مستفاد من لفظ الرحيم المذكور بعد الغفور وجه دلالة هذا الوعد على إطلاق المغفرة كونه لطفا بعد لطف فإن عفو المولى ذنب عبده المجرم وستره لطف وإحسان ثم الرحمة والإنعام بعده لطف على لطف وإحسان على إحسان فمن هذا صفته من شأنه أن يغفر ذنب عبده وإن لم يتب . قوله : وتقدير ما يستدعي عموم المغفرة مما في عبادي فإن في لفظ عبادي شيئين دالين على عموم المغفرة الأول معنى العبودية المستفاد من لفظ المضاف وحده المنبىء عن الدال المقتضي للترحم والغفران والثاني الإضافة الدالة على معنى الاختصاص والتقريب وهذان الأمران لاقتضائهما عموم المغفرة لجميع عباد اللّه تعالى يدلان على أنه تعالى يغفر ذنوب عباده مطلقا وإن لم يتوبوا عن ذنوبهم . قوله : وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم فكأنه قيل قل يا عبادي الذين أضروا أنفسهم بالإفراط في الجناية معنى التخصيص مستفاد من تقييد الإسراف بأنه على أنفسهم وجه دلالته على إطلاق المغفرة كونه منبئا عن الترحم المقتضي للمغفرة الكاملة والمغفرة في العفو بلا توبة أتم وأبلغ . قوله : والنهي عن القنوط مطلقا من الرحمة فضلا عن المغفرة يعني أن اللّه تعالى نهى الجاني عن اليأس من طمع الرحمة والإنعام فكيف من طمع المغفرة وإطلاقها وجه دلالته على الإطلاق أن نهي عباده عن القنوط من رحمته تعطف لهم وتسل لغمهم المستولي عليهم من إسرافهم على أنفسهم وإفراطهم في الجناية وأدمج في هذا النهي معنى الوعد بالرحمة التي هي الإنعام لهم وهذا لطف على لطف لأن الإنعام للجاني لا يكون إلا بعد المغفرة والعفو عن جنايته والإنعام بعد العفو إحسان بعد الإحسان ومثل هذا اللطف يقتضي أن لا يقيد مغفرته تعالى بقيد التوبة وأن النهي عن القنوط من رحمته مطلق غير مقيد بقيد التوبة .