وأن اجتهاد الرسول عليه السّلام الخ فح يكون تقديم المبتدأ على الخبر الفعلي للحصر كما هو مسلك صاحب الكشاف وفي المطول وجعلها صاحب الكشاف من قبيل التخصيص نظرا إلى أنه عليه السّلام لفرط شغفه بإيمانهم وتبالغ حرصه على ذلك كأنه يعتقد قدرته على ذلك انتهى وهذا وإن كان في الآيتين المذكورتين فيما مر لكنه جار في هذه الآية أيضا كما صرح به المص فيحمل الكلام على تخصيص الإنكار لا إنكار التخصيص ومسلك السكاكي أسلم إذ فيما ذكره المص تباعا للزمخشري نوع خدشة قوله سعي أي كسعي .
قوله : ( ويجوز أن يكون أفأنت تنقذ جملة مستأنفة للدلالة على ذلك والإشعار بالجزاء المحذوف ) ويجوز أن يكون الخ فلا تكرار ح فتكون الآية جملتين كما كانت جملة واحدة في الأول للدلالة على ذلك أي على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه قوله والإشعار بالجزاء المحذوف وهو فأنت تنقذه بالضمير كما هو أصله لا فأنت تنقذ من في النار فإنه لو كان المحذوف أفأنت تنقذ من في النار لا وجه لكون المذكور استئنافا فح تكون هذه الجملة معطوفة على محذوف دل عليه الكلام تقديره أأنت تسعى في إنقاذه فأنت تنقذ من في النار بالفعل ليغاير من حكم عليه بالعذاب نقل عن الشارح المحقق سعد الدين أنه قال إن في هذه الآية استعارة لا يعرفها إلا فرسان البيان وهي الاستعارة التمثيلية المكنية لأنه نزل ما دل عليه قوله :
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ
[ الزمر : 19 ] من استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار في الآخرة حتى يترتب عليه تنزيل بذله عليه السّلام جهده في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار الذي هو من ملائمات دخولهم النار وقد عرفت من مذهبه أن قرينة المكنية قد تكون استعارة تحقيقية كما هو في نقض العهد انتهى والاستعارة التمثيلية المكنية غير متعارف عندهم بل قولهم الاستعارة التمثيلية تشبيه هيئة منتزعة من أمور بهيئة أخرى فذكر اللفظ المركب للمشبه به ويراد المشبه ينافيها فالظاهر أن النار مجاز عن الكفر والضلال المفضي إليها فذكر المسبب وهو النار وأريد السبب فكأنه قيل أأنت تهدي من أضله والإنقاذ ترشيح لهذا المجاز أو مجاز عن الدعاء للإيمان والطاعة كما اختاره شراح الكشاف واختار السعدي أن من في النار تشبيه بليغ وتنقذ ترشيح له ولما كان معنى قول المص سعي الخ مثل السعي كان معنى قوله من في قوله : والإشعار بالجزاء المحذوف تقديره أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه ثم استؤنف أفأنت تنقذ من في النار لتأكيد الإنكار وللدلالة على أن من حكم عليه الخ والإشعار بذلك الجزاء المحذوف وفي الكشاف قوله :
أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ
[ الزمر : 19 ] يفيد أن اللّه تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ من النار وحده لا يقدر على ذلك أحد غيره فكما لا تقدر أنت أن تنقذ الداخل في النار من النار لا تقدر أن تخلصه مما هو فيه من استحقاق العذاب بتحصيل الإيمان فيه إلى هنا كلامه يريد بقوله يفيد أن اللّه هو الذي يقدر على الإنقاذ من النار أن تقديم الفاعل المعنوي على الفعل وإيلاءه همزة الإنكار يدل على أن الكلام في الفاعل لا في الفعل أي لست أنت الفاعل لهذا الفعل بل فاعله غيرك وهو اللّه وحده .