قوله : ( لتذكيرا بأنه لا بد له من صانع حكيم دبره وسواه وبأنه مثل الحياة الدنيا فلا تغتر بها ) لتذكيرا بأنه أي الذكرى بمعنى التذكير ولما اقتضى التذكير المفعول قدر آياته بمعونة المقام والمراد الآيات العقلية الدالة على القادر الحكيم ولذا قال بأنه لا بد من حكيم الخ قوله دبره ناظر إلى قوله حكيم صانع قوله وسواه أي عدله مفهوم من الفحوى وفي إيجاد الزرع على هذه الكيفية مع ما فيه من الإشارة إلى ما ذكره في أواخر سورة الفتح من قوله :
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ
[ الفتح : 29 ] الآية دلالة على كمال قدرته وتمام حكمته حيث أنشأه مدرجا من حال إلى حال تغاير الأولى وأظهر في كل منها صنعا وحكما يجدد فيها لأولي الأبصار عبرا وسكونا إلى عظم قدرته وأيضا فيه رمز إلى أن الحيوان لا سيما الإنسان خلق أولا بسبب الماء كزرع مختلف ألوانه في الطراوة والبهجة ثم نكس خلقه ثم أماته فأقبره فسبحان من دقت إشارته وعظمت حكمته ولعل قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى
[ الزمر : 21 ] الخ إشارة إلى مجموع ما ذكرنا وفي قوله وبأنه مثل الحياة الثاني ميل إلى ما ذكر وما يستفاد من قوله تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
[ الكهف : 45 ] الآية أن الحياة الدنيا مشبه بزرع والمص جعل الزرع مشابها بحياة الدنيا فتدبر .
قوله : ( إذ لا يتذكر به غيرهم ) بيان لوجه التخصيص .
قوله تعالى :
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 22 ]
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 22 )
قوله : (
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ
[ الزمر : 22 ] ) الآية جملة مستأنفة كالتعليل لما قبله والكلام في الهمزة والفاء مثل الكلام في
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ
[ الزمر : 19 ] والخبر محذوف كما سيجيء بيانه .
قوله : ( حتى تمكن منه بيسر عبر به عمن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله غير فقوله لأنه إذا تم جفافه الخ بيان للعلاقة المصححة لإطلاق لفظ الهيجان على التمام وهو من إطلاق لفظ اللازم على الملزوم .
قوله : وبأنه مثل الحياة الدنيا فلا تغتر بها يريد أن الآية إما واردة على ظاهرها حاثة على التفكر والتذكر في آيات اللّه الباهرة أو مراد بها التمثيل باعثة على التذكر والاتعاظ زاجرة عن الركون إلى اللذات العاجلة منبهة على أنها في وشك الزوال وسرعة الانفصال يدل على الثاني سوابق هذه الآية ولواحقها فإنها مسوقة للتذكير والوعظ لا سيما قوله فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللّه أي لمن لا يلين قلبه لمواعظ اللّه وزواجره ولذلك استشهد بقوله عليه الصلاة والسّلام الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله .
قوله : عبر به أي عبر اللّه تعالى بمن شرح صدره للإسلام عمن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبول الإسلام غير آبية عنه .