بأن التقاول لم يكن بين الملأ الأعلى فقط مع أن ما قبله يقتضي ذلك فدفع بأن قول اللّه عن اختصام قد مضى وإخبار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن اختصام لم يمض إذ قال له ربه فيم يختصم الملأ الأعلى فإنه يدل على أن حال الاختصام باقية وأيضا أن السورة مكية والحديث يدل على أن الرؤيا التي رآها صلوات اللّه عليه بالمدينة إلى هنا كلام التوربشتي الذي نقله الطيبي عنه ولما كان هذا الكلام مخالفا لما اختاره الطيبي من أن المراد بالاختصام في الآية عين ما في الحديث تعرض الطيبي رحمه اللّه إلى جواب الأدلة التي ذكرها التوريشتي لبيان أن ما في الآية غير ما في الحديث فقال أما الجواب عن قوله إن تقاول الملائكة في أمر السجود وقوله أما الحديث فإنه إخبار عن التي كوشف بها في المنام فإن هذا مبني على أن قوله :
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ
[ ص : 71 ] بدل من
إِذْ يَخْتَصِمُونَ
[ ص : 69 ] وقد بينا ضعفه على أن البدل فيه ما ينافي الخصومة وهو الفاء في فسجد فإنها فاء فصيحة كأنه قيل فسواه اللّه ونفخ فيه فسجد الملائكة فأذنت بسرعة الامتثال وأنه عليه السّلام كما وجد لم يتوقف سجودهم عن الوجود مدحا لهم عليه بالإذعان لأمر اللّه تعالى فلو توهم التوقف كان ذما لهم كما ذم إبليس بقوله إلا إبليس استكبر فضلا عن المقاولة في المأمور به وأيضا لو كان قوله إذ قال بدلا من
إِذْ يَخْتَصِمُونَ
[ ص : 69 ] لكان الظاهر أن يقال إذ قال ربي للملائكة لقوله :
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى
[ ص : 69 ] وليس المقام مما يقتضي الالتفات وعن وقوله إن النفي في الآية غير النفي في الحديث لأن نفي الاختصام غير نفي ما فيه الاختصام فإن غايته أن ما في الآية مبهم وما في الحديث موقت فيكون الحديث مفسرا للآية على أنه لا بد لذلك من التفسير ولذا جعل صاحب الكشاف
إِذْ قالَ
[ ص : 71 ] بدلا منه وعن قوله كشف الآية عن اختصام قد مضى والخبر عن اختصام لم يمض بأن يختصمون في الآية وارد على حكاية الحال الماضية فيدل على استمرار الخصومة واستحضارها في مشاهدة السامع فيما مضى وقتا فوقتا وفيما سيجيء حالا فحالا وعن قوله السورة مكية والحديث مدني فإن هذا النقل موقوف على الرواية وصحتها على أنه يجوز أن يكون اللّه تعالى نبهه صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة على اختصام الملائكة واغتباطهم لبني آدم وما فيهم من الفضائل مجملا ثم نبهه ثانيا في المدينة مفصلا واللّه اعلم بحقيقة الحال وأقول ما ذكره التوريشتي من أن المراد بالاختصام في الآية غير ما أريد به في الحديث هو المختار عند أئمة التفسير وأنه أوفق لتلاؤم الآي على أنه يمكن أن يدفع أجوبة الطيبي عن أدلة التوريشتي ما دفع جوابه الأول فيما ذكرنا من أن إسناد الاختصام إلى الملك المتوسط حقيقة فلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في إسناد يختصمون على تقدير بدلية
إِذْ قالَ رَبُّكَ
[ ص : 71 ] من
إِذْ يَخْتَصِمُونَ
[ ص : 69 ] وأما دفع قوله على أن البدل فيه ما ينافي الخصومة وهو الفاء فبأن المراد باختصام الملائكة بقولهم
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ
[ البقرة : 30 ] الاستفسار والاستعلام من الحكمة في خلق آدم لا المعارضة فيه فلا ينافي الاختصام بهذا المعنى مدحهم بسرعة الامتثال للأمر بالسجود له والمنافي للمدح هو الاختصام بمعنى المعارضة وهو ليس بمراد هنا وأما دفع الجواب الثاني فبأن
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ
[ ص : 69 ] الآية من جملة مقول قل وقوله :
إِذْ قالَ رَبُّكَ
[ ص : 71 ] ليس بداخل تحت المقول فح لا يلزم أن يقال إذ قال ربي ألا يرى إذا قلت قل ما كان لي أن أسير يوم الجمعة يوم يسير رفيقك يجوز أن يكون يوم يسير رفيقك بدلا من يوم الجمعة مع أنه لا يلزم أن يقال يوم يسير رفيقي لأن يوم يسير رفيقك ليس بداخل تحت مقول القول وأما دفع الجواب الثالث فبأن العلم بما اختصم فيه من حيث إنه مختصم فيه يستلزم العلم