قوله : ( كأنه لما جوز أن الوحي يأتيه بين بذلك ما هو المقصود به تحقيقا لقوله :
إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ
[ ص : 65 ] ) جوز بالبناء للمجهول أي لما جوز الكفرة ذلك ألزمهم بأنه يخبرهم بما لا يعلم إلا بوحي لا أنه مبني للفاعل والضمير للرسول عليه السّلام حتى يقال إنه لم يصادف محزه فيجعل مجازا عن غير ذكر كما قيل انتهى والأولى أن معنى لما جوز لما أثبت أن الوحي يأتيه كما نبه عليه أولا بقوله وأما على النبوة فقوله ما كان الآية بين بذلك « 1 » أي بقوله لإنما أنا نذير ما هو المقصود بعد بيان ذات الوحي فجوز مجاز عن أثبت إذ التجويز لازم له وقوله لما جوز الكفرة الخ لا وجه له إذ الكفرة لم يجوزوا الوحي بل أنكروه بعد ظهور المعجزة عنادا واستكبارا كما نطق به الآيات في مواضع عديدة والمراد بالمقصود المقصود الأصلي فلا إشكال بأن الوحي لا ينحصر في الإنذار وقد مر الكلام فيه قريبا .
قوله : ( ويجوز أن يرتفع بإسناد يوحى إليه ) ويجوز أن يرتفع أي
إِنَّما أَنَا
[ ص : 65 ] الخ على أنه نائب الفاعل ليوحى فح لا يقدر اللام في إنما ولا حاجة إلى الاعتذار بقوله لما جوز الخ وعلى الأول فيوحى مسند إلى الجار « 2 » والمجرور .
قوله : ( وقرىء إنما بالكسر على الحكاية ) أي أن أصله قبل كونه نائب الفاعل إنما إنا بالكسر فحكي عن الكسر حين كونه فاعلا وإن كانت القاعدة تقتضي أن تكون مفتوحة .
قوله تعالى :
[ سورة ص ( 38 ) : آية 71 ]
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 )
قوله : ( بدل من
إِذْ يَخْتَصِمُونَ
[ ص : 69 ] مبين له ) إذ البدل بدل الكل وهو بمنزلة
واحِدٌ
[ الأنبياء : 108 ] فإن قلت ما هذا الحصر كأنه صلوات اللّه عليه لم يوح إليه إلا لاختصاص النذارة ولم يؤمر إلا باختصاص الإنذار كما قال وليس إلى غير ذلك قلت المخاطبون مشركون وما كان الذي ينكرون عليه الإنذار إلا لاختصاص المنذرين وبدء أمرهم وكان الواجب قلع الشرك وإزالة ما ينبغي إزالته فإذا أزيل ذلك وبدل بالإيمان والأعمال الصالحة جاز أن يبشروا كما قال تعالى :
لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً
[ الكهف : 2 ، 3 ] كأنه قال صلوات اللّه عليه ما أوحي إلا في شأنكم إلا أن أنذركم .
قوله : ويجوز أن يرتفع أي يجوز أن يكون محل
إِنَّما يُوحى إِلَيَّ
[ الأنبياء : 108 ] الرفع على أنه قائم مقام فاعل يوحى ويكون وقوعه موقع الفاعل هو الوجه في فتح همزته .
هامش
( 1 ) الأظهر بين ذلك أي الوحي بما هو المقصود به الخ إذ المقصود إخبار ما هو داع إلى الوحي ومصحح له تحقيقا لقولهإِنَّما أَنَا مُنْذِرٌفي ضمن تحقيق علمه عليه السّلام باختصام الملأ الأعلى فما ذكره المص لا يفيد ذلك لا بحمل الكلام على القلب .
( 2 ) أو مسند إلى الحال المقدرة لهم أو ما يعمه وغيره من الأمور المغيبات ويدخل حالهم دخولا أوليا فالمعنى ما يوحى إلى حال الملأ الأعلى أو ما يوحى إلى ما يوحي .