تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
خلقته بنفسي أول بيدي بنفسي ثم أشار إلى تأويل النفس بقوله من غير توسط قوله من مزيد سجود لمخلوق فذهب بنفسه وتكبر أن يكون سجدته لغير الخالق وانضم إلى ذلك أن آدم مخلوق من طين وهو مخلوق من نار ورأى للنار فضلا على الطين فاستعظم أن يسجد لمخلوق مع فضله عليه في المنصب وزل عليه أن اللّه سبحانه حين أمر به أعز عباده عليه وأقربهم منه زلفى وهم الملائكة وهم أحق بأن يذهبوا بأنفسهم عن التواضع للبشر الضئيل ويستنكفوا من السجود من غيرهم ثم لم يفعلوا وتبعوا أمر اللّه وجعلوه قدام أعينهم ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له تعظيما لأمر ربهم وإجلالا لخطابه وكان هو مع انحطاطه عن مراتبهم حري بأن يقتدي بهم ويقتفي أثرهم ويعلم أنهم في السجود لمن هو دونهم بأمر اللّه أوغل في عبادته منهم في السجود لما فيه من طرح الكبرياء وخفض الجناح فقيل له
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] أي ما منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلقته بيدي لا شك في كونه مخلوقا امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي كما فعلت الملائكة فذكر له ما تركه من السجود مع ذكر العلة التي تشبث بها في تركه وقيل له لم تركته مع وجود العلة وقد أمرك اللّه به يعني كان عليك أن تعتبر أمر اللّه ولا تعتبر هذه العلة ومثاله أن يأمر الملك وزيره أن يزور بعض سقاط الحشم فيمتنع اعتبارا لسقوطه فيقول له ما منعك أن تتواضع لمن لا يخفى على سقوطه يريد هلا اعتبرت أمري وخطابي وتركت اعتبار سقوطه وفيه إني خلقت بيدي فأنا أعلم بحاله ومع ذلك أمرت الملائكة بأن يسجدوا له لداعي حكمة دعاني إليه من إنعام عليه بالتكرمة السنية وابتلاء للملائكة فمن أنت حتى يصرفك عن السجود له ما لم يصرفني عن الأمر بالسجود له وقيل معنى لما خلقت بيدي لما خلقت بغير واسطة إلى هنا كلام الكشاف قال الطيبي الفاء في قوله فما معنى قوله للتسبب يعني إذا كان معنى خلقت بيدي العمل وكونه مخلوقا للّه تعالى فما وجه اختصاصه في هذا المقام وخلاصة الجواب أن ذلك الأمر كان ابتلاء محضا للملائكة وإبليس في أنهم هل يؤثرون النص على القياس أو يرجحون القياس بدليل التمثيل بالوزير والملك فالملائكة مع جلالتهم آثروا النص فامتثلوا لأمر اللّه تعالى تعظيما له وإجلالا لخطابه وإبليس مع ضعفه آثر القياس حيث قال
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ ص : 76 ] فقيل له على سبيل القول بالموجب هب أنه كان مخلوقا من تراب فهلا نظرت إلى أمر الملائكة فسجدت ولم تنظر إلى تلك العلة فلم تمتنع وإليه الإشارة بقوله لم تركته مع وجود هذه العلة فقوله من السجود بيان ما تركه يعني ذكر لإبليس السجود مع تلك العلة ووبخه عليهما في قوله :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] ثم قال الطيبي هذا تطويل وإخفاء للشمس بالطين لحب المذهب فإنه تعالى علل إنكاره عليه لعدم السجود بهذه العلة التي تدل على نكرته المسجود له يؤيده قوله :
أَسْتَكْبَرْتَ
[ ص : 75 ] ثم إيراد اللعين ذلك القياس الفاسد حيث قال
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ ص : 76 ] فكيف يجعل قوله خلقت بيدي متضمنا لهذا وقد جعله جوابا للإنكار قال صاحب الانتصاف أطال الزمخشري فارا من معتقدين أحدهما أن اليدين من صفات الذات التي أثبتها السمع والمعتقد الثاني أن النبي أفضل من الملك والزمخشري شديد التعصب فيه فلا جرم مثل قصة آدم في انحطاط رتبته ببعض سقاط الحشم مثالا لآدم الذي هو عنصر الأنبياء وأقام منزلة لإبليس عدوه وصحح اعتقاده في أنه أفضل من آدم وإنما غلطه من جهة أنه لم يجعل نفسه أسوة الملائكة مع علمهم بأن آدم عليه السّلام ساقط المنزلة والمراد ضد ما ذكره الزمخشري وهو تعظيم معصية إبليس إذ لم يعظم من كرم اللّه