تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
الوجه الثاني ويحتمل التعميم إلى الوجه الأول عن الأعمال أي عن الأعمال الظاهرة سواء كانت حصولها باليد أو لا كما أشار إليه بقوله لأن أكثرها بمباشرتها فيكون اليد مجازا مرسلا من قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب وهذا بناء على أن السببية في النوع كان في العلاقة كما صرح به صاحب التوضيح في قوله رعينا الغيث أي النبات وإن كان حصوله بغير المطر كماء الأنهار والآبار . قوله : ( وبالإبصار عن المعارف لأنها أقوى مبادئها ) وبالإبصار أي عبر بالإبصار عن المعارف أي عن العلوم سواء كانت اعتقادية أو عملية قوله لأنها أقوى مبادئها بيان علاقة المجاز وأنه أيضا مجاز مرسل بعلاقة السببية لكن قدم الأول للتنبيه على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما صرح به الزمخشري في قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ
[ لقمان : 12 ] الآية . قوله : ( وفيه تعريض بالبطلة الجهال أنهم كالزمنى والعماة ) . قوله تعالى :

[ سورة ص ( 38 ) : آية 46 ]

إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) ( جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها ) بالبطلة أي عن العمل الجهلة أي عن المعارف الحقة الواجب كالزمنى في عدم القدرة على الأعمال بأسرها باليد قوله والعماة جمع الأعمى بمعنى أعمى بصرا لكونه أعمى قلبا والتعريض على كلا المعنيين . قوله : وفيه تعريض بالبطلة أي بالبطلة الذين لهم أيد ولا يصرفون قوتها إلى طاعة اللّه وأبصار لا ينظرون بها نظر اعتبار أنهم كالزمنى والعماة الزمنى بفتح الزاء جمع زمن والعماة جمع عمى وفي الكشاف لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم وإن كان عملا لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدي أو كان العمال جذما لا أيدي لهم وعلى ذلك ورد قوله عز وعلا
أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ
[ ص : 45 ] يريد أولي الأعمال والفكر كان الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في اللّه ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات ولا يستبصرون في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار بهم وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال اللّه ولا من المستبصرين في دين اللّه وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين بهما وقرىء أولي الأيادي على جمع الجمع وفي قراءة ابن مسعود أولي الأيد على طرح الياء والاكتفاء بالكسرة قال ابن جني وهي قراءة الحسن والثقفي والأعمش ويحتمل أن يراد بها الأيدي على قراءة العامة فحذف الياء تخفيفا كقوله تعالى :
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ
[ القمر : 6 ] فيراد القوة في طاعة اللّه والعمل بما يرضاه كقراءته بالأبصار أي التبصر بما يحظى عند اللّه فالأيدي على هذا جمع يدي وهي القوة كقولك له يد في الطاعة وقدم في المتابعة فالمعنيان واحد وهو البصيرة والنهضة في طاعة اللّه تعالى ويحتمل أن يراد بها النعمة والتأييد هذا خلاصة كلام ابن جني وقال العلامة في الكشاف وتفسيره بالأيد من التأييد قلق يريد به قول الزجاج فإنه قال من قرأ أولي الأيد بغير ياء فمعناه من التأييد والتقوية على الشيء وإنما كان قلق لأنه لا يلائم الأبصار فإن الأبصار جمع بصر وهي الجارحة والمراد ههنا البصيرة فإذا لم يجعل الأيدي جمع اليد المراد بها العمل لم يتطابقا لفظا ولا معنى لأن التأييد من أفعال اللّه وهو لطفه وتوفيقه .