فعل أي أو لأن اللّه تعالى مسه بذلك لسؤاله أي لسؤال أيوب عليه السّلام البلاء فحذف المفعول لدلالة قوله امتحانا لصبره فلما أصاب البلاء بسبب سؤاله ودعائه وهو ترك الأولى إذ الأولى سؤال دوام العافية قال عليه السّلام : « سلو اللّه العافية » فيكون قوله :
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
[ الأنبياء : 83 ] في سورة الأنبياء وهنا قول :
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ
[ ص : 41 ] الآية اعترافا بالذنب أي ترك الأولى واعترافه توبة وطلب للخلاص .
قوله : ( أو مراعاة للأدب ) عطف على قوله اعترافا أي لم يسنده إلى اللّه تعالى مراعاة للأدب فأسند إلى سببه وهو الشيطان فإن من شأنه القاء مثله مع أن الفاعل هو اللّه تعالى وهذا الوجه الأخير أسلم من سائره .
قوله : ( أو لأنه وسوس إلى اتباعه حتى رفضوه وأخرجوه من ديارهم أو لأن المراد من النصب والعذاب ما كان يوسوس إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط من الرحمة ويغريه على الجزع ) أو لأنه وسوس إلى اتباعه الخ فيكون الإسناد أيضا مجازيا لكن اللّه تعالى أعلم بصحته وعلى الوجه الأخير الإسناد إلى الشيطان حقيقي لكونه كاسب الوسوسة والإسناد إلى الكاسب حقيقي اخره مع كونه حقيقيا لأن إطلاق النصب والعذاب على ما يوسوس قوله : أو لسؤاله عطف على لأن اللّه مسه أي لسؤال الشيطان من اللّه تعالى أن يسلطه على أمواله وأولاده وبدنه ويمتحنه هل يصبر على بلاء اللّه تعالى أو يجزع وإنما عطفه عليه بأو لأن سبب الإسناد هناك وسوسة الشيطان وهنا سؤاله والسؤال غير الوسوسة لكن الإسناد فيهما إسناد مجازي من باب الإسناد إلى السبب فقوله امتحانا مفعول به للسؤال فإن الشيطان على ما حكي ما سأل اللّه تعالى أن يمتحن أيوب بالتسلط عليه بالبلاء .
قوله : فيكون اعترافا بالذنوب أو مراعاة للأدب أي فيكون إسناد المس إلى الشيطان الذي هو السبب الحامل اعترافا منه بذنوبه فكأنه قال اتبعت الشيطان فعملت الذنب أو أسنده إلى الشيطان ولم يقل مسني اللّه بنصب وعذاب تأدبا حيث لم ينسبه إلى اللّه في دعائه مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو .
قوله : أو لأنه وسوس إلى اتباعه عطف على لأن اللّه أيضا أي لأن الشيطان وسوس قوم أيوب إلى اتباعه أي إلى اتباع وسوسته فاتبعوه ورفضوه وأخرجوه من ديارهم وإنما عطفه عليه بأو مع أن سبب الإسناد وسوسته أيضا لتغاير الموسوس إليه فإن الوسوسة هناك إلى أيوب نفسه وهنا إلى قومه .
قوله : أو لأن المراد بالنصب عطف على لأن اللّه أيضا فوجه العطف بأو أن الإسناد هناك مجازي والمسند حقيقة وهنا بالعكس فإن المجاز هنا في كلمة
مَسَّنِيَ
[ ص : 41 ] بنصب دون إسناده إلى الشيطان لأن معناه على هذا الوجه انصبني الشيطان وعذبني شبه إقناطه من الرحمة أي من الصحة وعود ما فات منه إليه بتصوير البلاء في نفس أيوب بصورة ما لا يرجى منه إخلاص ليجزع منه بالأنصاب والتعذيب فاستعير لفظ المشبه به للمشبه استعارة تصريحية وإنما قلنا إن الإسناد في هذا الوجه حقيقي لأن المعنى حينئذ عظم الشيطان البلاء في نفسي واقنطني من البر فإسناد الإقناط وتعظيم البلاء إليه إسناد حقيقي .