في عصره فيكون هذا تفسيرا آخر لا تفصيلا لما أجمل أولا قوله بعد هذه السلبة قرينة على أن مراده عدم سلب ملكه عنه في حياته .
قوله : ( أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته كقولك لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال على إرادة وصف الملك بالعظمة لا أن لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة ) أو لا يصح لأحد قد عرفت أن لا ينبغي قد يستعمل في لا يصح لأحد يفيد عموم النفي قوله لعظمته إشارة إلى أن هذا السؤال كناية عن عظمة الملك سواء كان لغيره أم لا كما أوضحه بقوله كقولك لفلان الخ أي هذا القول بيان عظمة ما لفلان من الفضل والمال إذ ربما كان في الناس أمثاله ولا يخفى أنه خلاف الظاهر إذ المتبادر منه أن لا يعطى أحد مثله ولعل لهذا اخره وأيضا ينافي ظاهره ما ورد في الحديث تفلت على الشيطان البارحة فأردت أن أربطه بسارية المسجد ثم تذكرت دعوة أخي سليمان الحديث ولذا اخره والجواب وهو كناية عن عظمته سواء كانت لغيره أم لا فإنه لا ينافي إرادة الحقيقة وعدمها ناش عن الذهول عن قولهم إن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة مرادهم أن معنى الحقيقة يصح إرادتها في الكناية دون المجاز لا جمع المعنى الكنوي والحقيقي معا وأيضا أنه لو لم يكن المعنى الحقيقي منفيا فلا يترتب عليه فيكون منافسة أي الحسد والبخل مع أن مراده وقع هذا التوهم فالمنافاة ظاهرة وهذا المعنى ضعيف فالمعنى الأول هو الراجح المعول وهو كون المراد من بعدي من غيري ممن هو في عصره لكن نبينا عليه السّلام راعى دعاءه وإن لم يكن عاما له لكمال رأفته وفرط تواضعه ويلائمه هذا المعنى قوله :
وَهَبْ لِي مُلْكاً
[ ص : 35 ] بخلاف المعنى الثاني لأنه بناء على أن هذا بعد إعطاء الملك بعد هذه السلبة فيحتاج إلى التمحل في
وَهَبْ لِي مُلْكاً
[ ص : 35 ] وفي قوله :
لا يَنْبَغِي
[ ص : 35 ] وبخلاف المعنى الثالث لأنه خلاف المتبادر وارتكاب المجاز أو الكناية مع إمكان الحقيقة وقد عرفت أن جمعهما مشكل وإن جوزه المص إذ حمل الكلام على معنى يناسب كل مذهب كالواجب في مثل هذا دفعا للابهام والأوهام .
قوله : ( وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين ) وتقديم الاستغفار الخ أي تقديمه في الذكر إذ الواو وإن لم يقتض الترتيب لكن لا بد من نكتة في ترتيب الذكر وهي هنا ما ذكره الشيخان من أن عادة الأنبياء والصالحين الاهتمام بالدين فإن أفكار الأبرار مائلة إلى أبواب الدين في كل ما يعين لهم ولدا حمل بعضهم قول موسى عليه السّلام :
أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً
[ طه : 10 ] على معنى يهديني إلى أبواب الدين والبحث بأن الاستيهاب طلب المعجزة فاللائق كونها في ابتداء أمره غريب جدا ألا يرى أن الملائكة قالوا في مقام الاعتذار سبحانك أولا ثم اعتذروا بقوله :
لا عِلْمَ لَنا
قوله : وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه في أمر الدين كما هو عادة الأنبياء والصالحين من تقديم أمر دينهم على أمور دنياهم .