تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
تعالى كما أن قوله :
وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ
[ الصافات : 158 ] إلى هنا من كلامه تعالى فحكي كلام الملائكة بلفظهم بلا تغيير لعدم الالتباس كقوله تعالى :
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
[ هود : 86 ] فإنه حكاية عن كلام الرسول عليه السّلام بدون تغيير ولو قيل على أصله وما منهم إلا له الخ لم يفهم اعترافهم بالعبودية وعن هذا اختير ما في النظم قوله للرد على عبدتهم أي عاقبة اعترافهم الرد المذكور على أن اللام للعاقبة فإن الاعتراف المذكور قبل هذه المقالة الشنيعة الشنعاء بزمان وفير ودهر طويل . قوله : ( والمعنى وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر اللّه في تدبير العالم ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله سبحان اللّه من كلامهم يتصل بقوله :
وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ
[ الصافات : 158 ] كأنه قال ولقد علمت الملائكة أن المشركين معذبون بذلك وقالوا سبحان اللّه تنزيها له عنه ثم استثنوا المخصين تبرئة لهم منه ) والمعنى وما منا أحد إشارة إلى أن الاستثناء منقطع إلا له مقام في المعرفة الخ الظاهر أنه من قبيل انقسام الآحاد إلى الآحاد لأنه صرح في أوائل سورة البقرة أن قسما منهم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره وقسما منهم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وهم المدبرات أمرا فمنهم سماوية ومنهم أرضية على تفصيل أثبته في كتاب قوله : فحذف الموصوف وهو أحد وأقيمت الصفة وهي له مقام معلوم مقامه لأن أصله ما منا أحد إلا له مقام معلوم والضمير في له عائد إلى ذلك الموصوف المقدر قوله ولعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعات أي لعل قوله :
وَما مِنَّا
[ الصافات : 164 ] الآية إشارة إلى درجات الملائكة في الطاعات وهذا أي قوله :
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ
[ الصافات : 165 ، 166 ] إلى درجاتهم في المعارف . قوله : ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله سبحان اللّه من كلامهم الخ يعني يجعل من قوله :
وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ
[ الصافات : 158 ] إلى قوله :
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ
[ الصافات : 166 ] قصة واحدة ليكون مفرغا إفراغا واحدا وتقديره ولما علمت الملائكة أن الكفرة محضرون ومعذبون تبرؤوا منهم ونزهوا اللّه سبحانه وتعالى بقولهم
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
[ الصافات : 159 ] أي عما يصفه هؤلاء ولكن المخلصون برءاء مما يصفونه ثم التفتوا إلى الكفرة وجاؤوا بالفاء الجزائية أي إذا صح إنكم تفترون واللّه سبحانه منزه عما تقولون وإن المخصلين من عباد اللّه مما تصفونه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على اللّه من عباده المخلصين الذين اصطفاهم لنفسه بل الذين تقدرون أن تفتنوا من هو مثلكم ممن قدر اللّه أنه من أصحاب النار نعوذ باللّه ولما فرغوا من الاحتجاج رجعوا إلى إظهار العبودية والخضوع لربهم والاعتذار عما نسب إليهم بقوله :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] الخ قال محيي السنة إلا من قدر اللّه أنه سيدخل النار أي سبق له في علم اللّه الشقاوة وقال الإمام إلا من كان كذلك في حكم اللّه وتقديره وذلك تصريح بأن المقتضي لوقوع هذه الحوادث حكم اللّه وكان عمر بن عبد العزيز يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب أي إن حكم اللّه بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصولهما .