بأن مرادهم ليس التوليد فح لا يلزم ضلالات أخر المذكورة سابقا ولعل المص اطلع على ذلك لكن المشهور أنهم قائلون بالتوليد كما فهم من قوله تعالى :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ
[ الأنعام : 101 ] وبيان المص هناك وفي سور البقرة مائل إلى كون مرادهم التوليد قاتلهم اللّه أنى يؤفكون فح التعبير بالخلق هنا بناء على أنهم اعترفوا كونهم مخلوقين مع ادعاء التوليد فليتأمل فإن العقل يتحير .
قوله تعالى :
[ سورة الصافات ( 37 ) : آية 150 ]
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ( 150 )
قوله : ( وإنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا تعلم إلا به فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم ليمكن معرفته بالعقل الصرف ) وإنما خص علم المشاهدة والمراد التخصيص بالذكر لا القصر لعدم أداته إلا أن يقال الحصر مفهوم من كون وهم شاهدون حالا من فاعل خلقنا أي أم خلقناهم إناثا والحال أنهم حاضرون وقت خلقنا فحسن الحال بهذا التقرير ونحوه والحال في قوة التعليل فيفيد القصر ولذا قال المص لا تعلم إلا به وبملاحظة ذلك يفيد الحصر قوله لأن أمثال ذلك كنوي أي لأن ذلك وأمثاله الخ وتذكير ضمير به إذ تاء المشاهدة ليست بمتمحضة في التأنيث قوله بالعقل الصرف أي بدون مشاهدة فلا يعلم بالاستدلال ولا بالبديهة لما عرفت من أن الأنوثة ليست من لوازم ذواتهم لازما غير بين أو بينا بالمعنى الأخص أو الأعم ولم يتعرض لعدم إنزال البرهان عليهم لما سيأتي من قوله تعالى :
أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ
[ الصافات : 156 ] فالحصر في قوله تعالى : لا يعلم إلا به إضافي بالنظر إلى العقل الصرف .
قوله : ( مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يبتون به ) مع ما فيه من الاستهزاء حيث أشير إلى أنهم تصدوا إثبات ما لا يقدرون عليه أصلا قوله والإشعار بالواو من قبيل عطف العلة على المعلول .
بالشهود بالبصر إذ لا طريق لمعرفته سواه ولا سبيل إلى إدراكه غير طريق الحس إذ ليس في طباع الملائكة ما يدرك به أنوثتهم عقلا حتى يستدل به عليها وكأنه جواب سؤال عسى يرد عليه من أنه لا يلزم من نفي العلم بالمشاهدة نفي العلم مطلقا .
قوله : مع ما فيه من الاستهزاء إلى قوله لأن أمثال ذلك لا يعلم إلا به داخل في حيز التعليل لتخصيص علم المشاهدة بالذكر أي لتخصيصه بالذكر وجهان الأول أن أمثال ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة والثاني الاستهزاء بهم والإشعار بأنهم مفرطون في الجهل ومن غاية إفراطهم فيه أنهم يقطعون بأنوثة الملائكة كأنهم شاهدوا خلق الملائكة فإن قلت لم قال وهم شاهدون فخص علم المشاهدة قلت ما هو إلا استهزاء بهم وتجهيل وكذلك قوله اشهدوا خلقهم ونحوه ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وذلك أنهم لما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة لم يعلموه بخلق اللّه علمه في قلوبهم ولا بإخبار صادق ولا بطريق استدلال ونظر يعني نفي طريق المشاهدة بالاستهزاء بهم وتجهيلهم لينسد جميع طريق العلم كأنه قيل ما حصل لكم العلم الضروري بهذا القول ولا أخبر به صادق ولا طريق للاستدلال والنظر إليه ففي أنكم شهدتم ذلك أخبروني به إن حصل ذلك .