إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مرارا وجعل مما تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ) وهؤلاء أي القاسمون قوله التجسيم وما بعده بدل من ضلالات أخر جمع أخرى قوله فإن الولادة الخ بيان كونهم زيادة التجسيم ودفع إشكال بأنهم لم يزيدوا التجسيم بأنه يلزم من كلامهم قوله الكائنة أي الموجودة بعد العدم الفاسدة أي الفانية بعد الوجود صفة كاشفة أو موضحة لا مخصصة في تجويز البنات وهو المناسب للسياق وفي نسخة وفي تجويز الفناء وهو الملائم لقوله فإن الولادة مخصوصة الخ فإنه فهم من هذا القول تجويزهم الفناء ويلزم أيضا تجويزهم العدم قبل الوجود لأنه وصف الأجسام بالكائنة وقد عرفت أن معناه الموجودة بعد العدم تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا وهذه المفاسد يلزم لكلامهم وإن لم يلتزموها قوله وارفعهما لهم حيث اختاروا الذكور وقد عرفت أن معنى الجعل هنا بمعنى الاختيار وقتلوا البنات قوله ولذلك أي ولزيادتهم على الشرك ضلالات قوله إنكار ذلك أي جعل الملائكة بنات اللّه معنى يتفطرن الخ قد تقدم في سورة مريم .
قوله : واستهانتهم عطف على تفضيلهم أو على ما عطف عليه تفضيلهم قوله حيث أنثوهم أي حكموا بأن الملائكة إناث .
قوله : ولذلك كرر اللّه إنكار ذلك أي ولهذه الأمور الثلاثة التي زادوها على شركهم من التجسيم بتجويز الولد له تعالى وتفضيل أنفسهم عليه واستهانة أكرم خلق اللّه كرر اللّه تعالى إنكار هذه الأمور في كتابه مرارا وجعله مما تكاد السماوات يتفطرن منه حيث قال سبحانه
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
[ مريم : 88 - 91 ]
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ
[ الأنعام : 101 ]
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ
[ الصافات : 151 ، 152 ] وجعلوا له من عباده جزء أو يجعلون للّه البنات سبحانه ولهم ما يشتهون
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ
[ الطور : 39 ] ويجعلون للّه ما يكرهون اصطفى البنات على البنين أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون .
قوله : والإنكار هنا مقصور على الآخرين وهما تفضيل أنفسهم عليه واستهانتهم بالملائكة لاختصاص هذه الطائفة وهم قريش بهذين المنكرين أعني التفضيل والاستهانة ولأن فساد هذين الأمرين مما يدركه العامة إذا خلوا وطباعهم فإنهم يجزمون بأنهم لبسوا مفضلين على اللّه وإن الملائكة مكرمون عند اللّه غير مهانين قوله حيث جعل المعادل للاستفهام عن التقسيم متعلق بقوله والإنكار ههنا مقصور على الأخيرين تعليلا له أي الدليل على إنكار ههنا مقصور على الأخيرين جعل قوله :
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ
[ الصافات : 150 ] معادلا للاستفهام عن التقسيم بقوله :
أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
[ الصافات : 149 ] وجه كونه دليلا عليه أن الاستفهام عن التقسيم إنكار للتفضيل والاستفهام المعادل للاستفهام الأول وهو قوله :
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ
[ الصافات : 150 ] إنكار للاستهانة فلما كان الاستفهام في أحد المعادلين لإنكار أحد الأخيرين وفي المعادل الآخر لإنكار الآخر منهما علم أن الإنكار هنا مقصور على الأخيرين .