والجناية الأخرى معاداته لآدم عليه السّلام وذريته ومن تبعيضية أي بعض جناياته وجناياته كثيرة عصيان الرحمن بالاستكبار وعدم امتثال الأمر والمعاداة والوساوس التي لا تتناهى .
قوله : ( لارتقاء همته في الربانية ) أي لارتفاع همته عليه السّلام في أمور الآلوهية حيث لم يتنزل لذكره ولم يعد جناية معها فلا جرم عنده عليه السّلام أعظم من عصيان اللّه تعالى لا سيما الاستكبار من امتثال أمره مع استقباح فلا جرم غيره ولذا ذكر عصيانه وسكت عن غيره .
قوله : ( أو لأنه ملاكها أو لأنه من حيث إنه نتيجة معاداته لآدم وذريته منبه عليها ) ملاكها أي أساسها فإن كون الجنايات جنايات لاشتمالها على عصيان رب العالمين فكأنه ذكر جميع جناياته إجمالا قوله منبه عليها فيكون جناية عداوته لآدم عليه السّلام مدلول النظم بطريق الإشارة .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 46 ]
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 )
قوله : ( قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بني واخره وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب كأنها مما لا يرغب عنها عاقل ثم هدده فقال لئن لم تنته عن مقالك فيها أو الرغبة عنها ) بالفظاظة وهي سوء الخلق وغلظة العناد من إضافة المسبب إلى السبب قوله فناداه تفصيل قابل استعطافه الخ باسمه فإن فيه اظهار عدم المودة الناشئة من الأبوة حيث لم يقل يا بني وأخره فيه نوع اظهار الاستكراه وكذا الكلام في قوله وقدم الخبر وهو راغب على المبتدأ وهو أنت وصدره أي الخبر بالهمزة الاستفهامية لإنكار نفس الرغبة لأن المنكر ما يلي الهمزة فالمنكر نفس الرغبة بمعنى الاعراض لتعديته بعن لا الفاعل وأشار إلى أن الهمزة للإنكار الوقوعي مجازا قوله على ضرب من التعجب لأن الإنكار يتضمن التعجب وليس مراده أن الاستفهام للإنكار والتعجب حتى يلزم الجمع بين المعنيين المجازيين وإن كان جائزا عند المص واختار كون راغب خبر مقدم وأنت مبتدأ فحينئذ يلزم الفصل بين راغب ومعموله بأجنبي وهو المبتدأ وأجيب بأن المبتدأ ليس بأجنبي من كل وجه لا سيما والمفصول ظرف متوسع فيه وعن هذا اختار أبو البقاء وابن مالك كون أنت فاعل الصفة إبراهيم من جنايات الشيطان التي هي عصيانه للّه ومعاداته لآدم وذريته على ذكر العصيان وعدم تعرضه لجنايته الأخرى التي هي معاداته لآدم وذريته لارتقاء همة إبراهيم في الزبانية كأن نظره في عظم ما ارتكب الشيطان من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه فلم يلتفت إلى ما هو في غير جنب اللّه من معاداته لآدم وذريته وقد يعرض للمتكلم وهو في أثناء كلامه ما يذهله عن بعض ما هو فيه فيأخذ في الأهم .
قوله : أو لأنه ملاكها أي أو اقتصاره لأن العصيان آلة المالكية لسائر الجنايات وهو منشأ الكل وأصله فلذا أفرده بالذكر .