تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
مع خلوه عن النفع مستلزم للضر ) بل جعل نفسه كرفيق حيث قال :
فَاتَّبِعْنِي
[ مريم : 43 ] الآية ونبه به على أن في كلامه تشبيها تمثيليا قوله ثم ثبطه إشارة إلى تفسير الآية الآتية وثم يحتمل للتراخي الرتبي أيضا والمعنى ثم أراد تثبيطه وتبعيده عما كان إذ التثبيط بالفعل لم يتحقق قوله مستلزم للضر وكل منهما يستلزم التأخر وحاصله الترك فما ظنك في حال اجتماعهما ولما كان خلو النفع قد لا يستلزم الضر قال مستلزم للضر تنصيصا على المطلوب . قوله : ( فإنه في الحقيقة عبادة للشيطان من حيث إنه الآمر به فقال : قوله تعالى :

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 44 ]

يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 )
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
[ مريم : 44 ] ) في الحقيقة أي في نفس الأمر عبادة الشيطان وإن كان ظاهره عبادة الأصنام ولذا لم يقل لا تعبد للأصنام بمعنى لا تدم على عبادتها قوله من حيث إنه الآمر به فإن الأفعال في نفس الأمر للآمر لأنهم أطاعوه في عبادة الأصنام فالإسناد إلى الشيطان مجاز عقلي والمراد بالأمر التحريض والحث عليه استعير الأمر لتحريضه وبعثه له على عبادة غير اللّه تعالى تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم . قوله : ( واستهجن ذلك وبين وجه الضر فيه بأن الشيطان مستعص على ربك ) ولظهور خلوه النفع لم يتعرض وجهه بخلاف الضر فإنه خفي يحتاج إلى وجه جلي وإنما قال مستعص لقصد المبالغة فإن السين للطلب في الظاهر وما وجد بالطلب يكون على وجه الكمال ففي الحقيقة السين للتأكيد فمآله عصيا لأنه من صيغ المبالغة . قوله : ( المولى للنعم كلها بقوله :
إِنَّ الشَّيْطانَ
[ مريم : 44 ] الآية ) أي المعطي بلا غرض ولا عوض على ما يدل عليه لفظ الرحمن قوله كلها أي جليلها وحقيرها آجلها وعاجلها لأن معنى الرحمن ذلك فاسم الرحمن هنا أوقع من بين الأسامي السامية قوله على ربك لا دلالة لنظم الكلام عليه وهو بيان على ما في نفس الأمر قوله بقوله متعلق بقوله وبين . قوله : ( ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص وكل عاص حقيق بأن يسترد منه النعم وينتقم منه ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته ) المطاوع للعاصي فيما يعصي سواء كان ذلك لأنه بمعنى المنعم ومن عصى منعمه يستحق أن يقطع منه إنعامه وأن يسترد منه ما أنعمه عليه وأخذ معنى الانتقام من قوله :
أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
[ مريم : 45 ] فإن من عصى منعمه ولم يشكره على إنعامه يستحق الانتقام ونزول العذاب منه عليه . قوله : فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان من حيث إنه الآمر به أي فإن ما كان عليه من عبادة الصنم في التحقيق عبادة الشيطان والمراد بالحقيقة هنا ليس ما هو في مقابلة المجاز وإلا فينبغي أن يكون الأمر على العكس يعني أن لك وإن كان في ظاهر الرأي عبادة الصنم لكنه في التحقيق عبادة الشيطان لأنه هو الذي أمره به . قوله : ولذلك عقبه بتخويفه سواء عاقبته وما يجره إليه والتعقيب بتخويف سوء العاقبة هو قوله بعد نهيه عن عبادة الشيطان أخاف أن يمسك عذاب وبتخويف ما يجره إلى سوء العاقبة هو قوله :
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
[ مريم : 45 ] .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 239 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر