العلماء الأقدمون وسره أن المس متقدم لما بعده كتقدم الذوق على الأكل ومس النار متقدم على إحراقها وإفنائها لما تحرقه فتكون عبارة عن قلة الإصابة بالنسبة إلى الإحراق التام ومن أنكر فلكون ذوقه مؤوفا وأما استعماله في شدة الإصابة كقوله تعالى :
لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ النور : 14 ] فللقرينة الصارفة عن ظاهره ووصف العذاب بالعظيم قرينة مقالية على أن المراد به مطلق الإصابة في الظاهر أنه مجاز في الإحراق وقس عليه نظائره وكون المس عبارة عن اتصال الشيء بالبشرة لا يقتضي الشدة في الإصابة لأن القوة اللامسة يتأثر بأدنى الإصابة فلا ينافي تفسير المصنف المس في سورة البقرة بأنه اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر الحاسة كلامه هنا نعم هنا احتمال آخر ذكر المحقق التفتازاني حمل التنكير على التعظيم واستعمال المس في مطلق الإصابة نظرا إلى أن المقام مقام التهديد والزجر الأكيد حيث قال في المطول ومما يحتمل التقليل والتعظيم قوله تعالى :
إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
[ مريم : 45 ] أي عذاب هائل أو شيء من العذاب ولا دلالة للفظ المس وإضافة العذاب إلى الرحمن على ترجيح التقليل كما ذكره بعضهم لقوله تعالى :
لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ النور : 14 ] ولأن العقوبة من الكريم الحليم أشد انتهى واعترف في بحث الشرط أن لفظ المس منبىء عن قلة الإصابة وسره ما ذكرناه من أن المس مقدمة الإصابة الشديدة لكن المص طاب اللّه ثراه مال إلى جانب الرفق وحسن الأدب مع الأب ولم ينظر إلى كونه مقام التخويف مع أن التخويف يحصل بما اختاره أيضا .
قوله : ( إما للمجاملة ) أي المعاملة الجميلة لأنه أجمل من القطع بعذابه ويكون ذريعة إلى قبول النصح ويكون كلامه عليه السّلام هنا موافقا لما قبله من الاحتجاج بأبلغ احتجاج وارشقه والطفه برفق وحسن أدب .
قوله : ( أو لخفاء العاقبة ) وهذا بناء على أنه عليه السّلام لم يتبين له أنه يموت على الكفر فإذا تبين أنه عدو للّه تبرأ منه .
قوله : ( ولعل اقتصاره على عصيان الشيطان من جناياته ) وفي نسخة من جنايتيه بالتثنية قوله : أو لخفاء العاقبة فإن الاعتبار إلى الخواتيم فلعله يختم على الإيمان ولا يمسه العذاب فلعدم القطع بختمه على الكفر ذكر بلفظ الخوف فقوله أو لخفاء العاقبة لا بد أن يصرف إلى كونه تعليلا لذكر الخوف فقط لا مس العذاب وتنكيره لعدم صحته فإنه لا معنى لأن يقال اختير اللفظ المنبىء عن معنى العلة لخفاء العاقبة لكن عطفه عليها يشركه في حكمها في كونها علة لثلاثتها قال صاحب الكشاف فذكر الخوف والمس ونكر العذاب ثم أسنده إلى العذاب النازل من الرحمن للإيذان بأن العذاب من الموصوف بالرحمة أشد أي للإيذان بأن نزول العذاب ممن وصف بالرحمة والإنعام أشد إيلاما وإيجاعا من عذاب نزل ممن لم يوصف بها كما قال المتنبي :
فما يوجع الحرمان من كف حارم * كما يوجع الحرمان من كف رازق
ولذا تعد الصاعقة من العذاب المستفظع لنزوله من مظنة الرحمة التي هي السحاب .
قوله : ولعل اقتصاره على عصيان الشيطان من جناياته لارتقاء همته في الربانية أي اقتصار