قوله : ( ولكن سأستغفر لك ربي لعله يوفقك للتوبة والإيمان ) وأما استثناؤه هذا من القدوة الحسنة بقوله إلا إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك لأن المراد بالأسوة الحسنة ما يجب أن يقتدى به بدليل قوله :
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
[ الأحزاب : 21 ] الآية فلا مانع من استثناء وعد الاستغفار منها إذ لا وجوب فيه كذا قاله الفاضل المحشي ويمكن أن يكون هذا قبل النهي وأن يكون هناك بعد النهي أن يكون هذا قبل ظهور حاله وأن يكون ذلك بعد ظهور حاله .
قوله : ( فإن حقيقة الاستغفار للكافر استدعاء التوفيق لما يوجب مغفرته وقد مر تقريره في سورة التوبة ) أي المراد بالاستغفار للكافر وهذا معنى الحقيقة هنا استدعاء التوفيق لأنه يوجب المغفرة فذكر الاستغفار وأريد لازمه المتقدم اقتضاء قال عليه السّلام في رواية :
« اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » بدل « اللهم اهد قومي » الحديث وقد مر الخ وسيجيء في سورة الشعراء « 1 » الإشارة إلى هذا المرام بالطف الكلام .
قوله : (
إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
[ مريم : 47 ] ) « 2 » تعليل لما تضمنه كلامه وهو رجاء التوفيق أي وإنما رجوت التوفيق لأنه تعالى كان على الدوام حفيا بي بليغا في البر من جهة الدين وتوفيق أبي من أعظم الإحسان إلي وكثرة البر والالطاف فيما مضى قد اطمعني طلب التوفيق .
قوله : ( بليغا في البر والالطاف ) فعيل من المفاعلة وحفيا من الصيغ المبالغة وتقديم بي لرعاية الفاصلة لا للحصر والالطاف بكسر الهمزة مصدر .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 48 ]
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 )
قوله : ( وأعتزلكم ) تلوين الخطاب من الأب إلى كافة المشركين وهذا بعد محاجة قوله : وقد مر تقريره في سورة التوبة فإنه رحمه اللّه قال هناك في تفسير قوله تعالى :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى
[ التوبة : 113 ] من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم بأن ماتوا على الكفر وفيه دليل على جواز الاستغفار لإحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإيمان وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر فقال وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه أي وعدها إبراهيم بقوله :
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
[ الممتحنة : 4 ] أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله إلى هنا كلامه هناك .
قوله : أي بليغا في البر والألطاف أي مبالغا فيهما أو بالغا فيهما الغاية القصوى معنى المبالغة مستفاد من صيغة حفيا فإنه فعيل من حفى أي بر .
هامش
( 1 ) وقد تقدم ما فيه في سورة التوبة وسيجيء في سورة الشعراء والقوم طولوا الكلام بما لا يفيد المرام .
( 2 ) يقال حفي به إذا اعتنى بإكرامه كما قاله الراغب وهو المراد هنا وفي آخر سورة الأعراف حفي يراد به عالم بليغ .