قوله : ( أو ناميا على الخير أي مترقيا من سن إلى سن على الخير والصلاح ) أي الزكاء في الأصل النماء والزيادة واستعماله في الطهارة لكونه نماء معنويا وهو مستلزم للأول كعكسه فهما متلازمان .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 20 ]
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 )
قوله : (
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
[ مريم : 20 ] ) استئناف بياني لما استأنست وزال ما خطر ببالها لفهمها بأنه رسول بالقرينة القوية أو الهام من اللّه تعالى :
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي
[ مريم : 20 ] الآية تعجبا أو استبعادا عاديا أو استفهام على أن يكون بتزوج أو غيره .
قوله : ( ولم يباشرني رجل بالحلال ) ذكرتها لأنه منشأ التعجب والاستبعاد وهو يؤيد كون الاستفهام للتعجب أو الاستبعاد العادي والواو للربط لكونها حالا .
قوله : ( فإن هذه الكنايات ) تعليل لتقييده بالحلال وإنما جمع الكنايات مع أنها واحدة هنا تنبيها على أن لها نظائر كلامستم النساء وبنى بها ودخل بها لكن المتعارف فإن هذه قوله : فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه أي هذه الكنايات التي هي المس والمجامعة والوقاع والوطىء وأمثالها إنما تستعمل في الحلال لا في الحرام والمستعمل في الحرام لفظ الزنا والبغا وأمثالهما فيقال في الأخبار عن فعل الزاني زنى بها أو افجر بها وخبث بها وليس يليق عند الاخبار عنه أن يراعى فيه هذه الكنايات والآداب قال الإمام ولقائل أن يقول قولها :
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
[ آل عمران : 47 ] يدخل تحته
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
[ مريم : 20 ] فلم اعادته ويقوى السؤال قولها في آل عمران قالت :
أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
[ مريم :
20 ] حيث اكتفت به هناك عن قولها :
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
[ مريم : 20 ] والجواب من وجهين أحدهما أنها جعل المس عبارة عن النكاح الحلال ثانيهما أن إعادتها لتعظيم حال البغاء الذي هو الزنا ذكر البغي مع كونه داخلا في المس لأنه أعظم ما في بابه لأن من لم يعرف من النساء بالتزوج فأغلظ أحوالها إذا أتت بولد أن تكون زانية ولما كان الوجه الأول من وجهي الجواب أدخل في البلاغة اختارها صاحب الكشاف واقتفى أثره المص رحمهما اللّه وإنما قلنا الوجه الأول أدخل في البلاغة لأن قوله :
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
[ مريم : 20 ] حال مقررة لجهة الإشكال وردت على الكناية عن النكاح الحلال مقرونة بأخرى قصدا للتقسيم الحاصر فيفيد أن مظنة حصول الولد عرفا لا يكون إلا بطريق النكاح أو السفاح وإذا لم يوجد شيء من هذين الطريقين كيف يتصور وجوده فإن قيل كيف طابق قولها :
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
[ مريم : 20 ] قوله :
لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
[ مريم : 19 ] فإنه نفى كل الريبة بقوله زكيا قلنا كأنها من فرط تعجبها وغاية استبعادها نبذت الوصف ظهريا وأتت بالموصوف وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه أي ما أبعد وجود هذا الموصوف مع هذه الموانع كقول امرأة إبراهيم :
أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
[ هود : 72 ] حيث غفلت من غاية تعجبها عن نفاذ قدرة اللّه فيما لا يساعده الأسباب ولذا نبه اللّه عليها بقوله :
أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[ هود : 73 ] .