تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قوله : ( ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ) وهذا بعيد لأن تعين القبلة إنما هو بالوحي وفي بدائع الفرائد لابن القيم قبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيفا من اللّه تعالى بل بمشورة واجتهاد منهم وفيه نظر قد مر تفصيله في سورة البقرة في قوله تعالى :
وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
[ البقرة : 145 ] الآية . قوله : ( ومكانا ظرف أو مفعول لأن انتبذت متضمن معنى أتت ) مكانا ظرف لانتبذت أي انتباذها وقع في مكان شرقي والفائدة في ذكر المكان باعتبار وصفه . قوله تعالى :

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 17 ]

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قوله : ( سترا ) وهذا دليل على أن اعتزالها في مكان قريب الفاء في فاتخذت للتعقيب الاتخاذ بمعنى صنعت فيتعدى إلى مفعول واحد دون في من دونهم بمعنى عند . قوله : ( فأرسلنا ) الفاء للسببية مع التعقيب . قوله : ( فتمثل لها ) التمثل مشتق من المثال وأصله أن يتكلف أن يكون مثالا لشيء والمراد هنا تصور بصورة البشر وبشرا تمييز وكونه حالا مقدرة أو مفعولا له بتضمينه معنى اتخذ تكلف واختلفوا في كيفية التمثل هل ما راد من أجزائه يفنى أو يذهب ثم يعود « 1 » أو يتصاغر « 2 » أو يخفيه اللّه تعالى عن النظر والظاهر أنها احتمالات عقلية والأولى التوقف في مثله كذا قيل هذا كلام في الأجزاء وأما الكلام في صورة البشرية مع صورة الملكية فلم يتكلموا فيه مع أنه أهم من التكلم في الأجزاء وهو أن الأجزاء التي لا تتجزى التي يتركب الجسم منها عند المتكلمين متماثلة الماهية في جميع الأجسام فما يقبل الصورة الملكية من الأجزاء يقبل الصورة البشرية فيذهب الصورة الملكية ويكون في بدلها صورة البشرية ثم بالعكس وقد تكلم قدس سره في أوائل شرح « 3 » المواقف في بحث نقض تعريف العلم بالعلوم العادية في جعل الجبل ذهبا وفيه احتمال آخر لا تتعرضه تأدبا . قوله : ( قيل قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محجبة بشيء يسترها وكانت تتحول قوله : لأن انتبذت مضمنة معنى أتت مكانا شرقيا منتبذة إليه . قوله : وقيل في مشرقة المشرقة بضم الميم وفتح الراء موضع القعود في الشمس .
هامش
( 1 ) وإمام الحرمين تردد بينهما وجزم ابن عبد السّلام بالإزالة دون الفناء . ( 2 ) قال الجمهور يجوز أن ينضم ويتكاثف جميع أجزائه فيصير على قدر هيئة الرجل ثم يعود على هيئة ولا يخفى بعده وقد عرفت مذهب إمام الحرمين وقول ابن عبد السّلام بإزالة الأجزاء أو بإفنائها ثم الإعادة وهذا أقرب . ( 3 ) حيث قال بعد بيان أحوال كون الجواهر الفردة متماثلة في الماهية على نحو ما ذكرناه هنا وإذا قيل إنها متخالفة الماهية فما يتركب منه الحجر لا يجوز أن يتركب منه الذهب قلنا نعلم بالعادة أن الشاغل للمكان المخصوص مثلا حجر مع جواز أن يكون المختار قد أعدمه وأوجد بدله ذهبا انتهى . ومقتضى ذلك أنه تعالى قد أعدمه وأوجد بدله البشر لكن المذهب الأول هو المناسب لحسن الأدب واللّه الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب .