قوله :
وَكانَ تَقِيًّا
[ مريم : 13 ] وعلى التقديرين يكون تذييلا مقررا لمنطوق ما قبله ومعنى الجبار هو الذي يعاقب على غضب نفسه لا على استحقاق الجاني ولا على وفق الشرع ومعنى الذي جبر غيره على ما أراده لا يناسب هنا ولا يناسب أيضا معنى الذي جبر حال غيره وأصلحه بل لا يصح عصيا بوزن المبالغة أي المبالغ في العصيان والمبالغة في النفي دون نفي المبالغة لفساد المعنى طريقه أنه لوحظ المبالغة أولا ثم النفي ثانيا ولو عكس لعكس وهذا أحد الوجوه المذكورة في قوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] فقوله عاقا أو عاصي أشار إلى أن المبالغة في النفي دون نفي المبالغة واختير صيغة المبالغة للمبالغة في انتفائه وليوافق قوله تقيا وبرا ولم ينبه المص معنى المبالغة في تفسيرهما لظهورها .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 15 ]
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 )
( من اللّه ) .
قوله : ( من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم ) وما ينال به بني آدم مس الشيطان حتى يصيح وهذا عام خص منه البعض إذ مريم وعيسى عليهما السّلام سالمان من ذلك كما مر تفصيله في سورة آل عمران وهذا يخالف ما قاله هناك وعن النبي عليه السّلام : « ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسه إلا مريم وابنها » وكلامه هنا بالعكس ففي كلامه خدشة من وجهين ولو حمل سلام على معنى التحية دون السلامة والأمان لاندفع تلك الخدشة .
قوله : ( من عذاب القبر ) إشارة إلى وجه التعبير هنا بالمضارع وما سبق بالماضي لأن سوق الكلام بعد ولادته وقبل موته والأظهر أن المضارع لكون الموت مستقبلا بالنظر إلى الولادة وإن كان ماضيا بالنظر إلى وقت النزول ولما كان السلامة مقيدة بالأزمنة المعهودة وبالأمور المذكورة لا إشكال بقتله عليه السّلام فإنه سالم وقت الموت من عذاب القبر وإن لم يكن آمنا من القتل في يوم يموت ولو فسر السّلام بالتحية المتعارفة والتشريف في أن يسلم اللّه عليه في حال إكمال عجزه لا إشكال عن أصله بالمرة ( من عذاب النار وهول القيامة ) .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 16 ]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 )
قوله : (
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
[ مريم : 16 ] في القرآن
مَرْيَمَ
[ مريم : 16 ] يعني قصتها ) واذكر في الكتاب معطوف على اذكر المقدرة أو ابتداء كلام مسوق لبيان قصة مريم إثر قصة زكريا ويحيى عليهما السّلام قوله في القرآن إذ الخطاب له عليه السّلام أصالة قوله يعني قصتها بتقدير مضاف .
قوله : ( إذ اعتزلت ) قيل في تفسيره إذ انفردت وقعدت في نبذه أي في ناحية وهذا إذا جلس قريبا منك حتى لو نبذت إليه شيئا وصل إليه والحاصل إن انتبذت افتعال من النبذ ومعناه في الأصل الرمي ثم أريد به الاعتزال لأن فيه طرح نفسه عن أهله لكن المراد الاعتزال إلى قريب من أهله ولذلك احتاجت إلى ضرب الستر بينها وبينهم .