قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 8 ]
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 )
قوله : ( جساوة وقحولا في المفاصل ) بالجيم والسين المهملة بمعنى يبسا وكذا قحولا بالقاف والحاء المهملة في المفاصل نقل عن الأساس أنه قال القحول مخصوص بمفاصل الحيوان ولذا قال المص في المفاصل ( وأصله عتو وكقعود فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء ثم قلبت الثانية وأدغمت وقرأ حمزة والكسائي وحفص عتيا بالكسر ) .
قوله : ( وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافا بأن المؤثر فيه كمال قدرته فإن الوسائط عند التحقيق ملغاة ولذلك قال ) استعجل الولد أشار إلى أن الاستفهام للتعجب والاستعجاب والاستغراب من حيث العادة والأولى حمل الاستفهام على الاستفهام عن كيفية حدوث الولد كما صرح به في سورة آل عمران ولم يذكر الاستبعاد هنا وأصاب في عدم ذكره لأنه بعد طلب الولد من فضل اللّه تعالى لا معنى للاستبعاد وإن كان بحسب العادة لكن الاستعجاب والاستعظام بحسب العادة فله وجه وجيه وعن هذا قال وإنما استعجب الخ اعترافا بأن المؤثر فيه الخ وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة وإن كانت ملتفتا إليها بحسب الظاهر هذا عند الخواص .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 9 ]
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 )
قوله : ( أي اللّه أو الملك المبلغ للبشارة تصديقا له ) وهو جبريل وفيه إشارة إلى ما ذكرناه بأن التبشير بواسطة الملك .
قوله : جساءة وقحولا في المفاصل الجساوة اليبوسة من جست اليد يبست وجسا الشيخ جسوا بلغ غاية الكبر والسن والقحول اليبوسة أيضا يقال قحل الشيخ قحلا يبس جلده على عظمه .
قوله : وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافا بأن المؤثر فيه كمال قدرته وإن الوسائط عند التحقيق ملغاة يعني أن الاستفهام في
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
[ مريم : 8 ] استفهام تعجبي لا إنكاري لأن من آمن باللّه وبكمال قدرته لا ينكر تكوينه للأشياء بلا أسباب ووسائط فكيف عن الأنبياء .
اكر تكوين بآلت بد حوالت * جه آلت بوددر تكوين آلت
وخلاصة الكلام في معنى كلمة الاستفهام هنا أن كلمة
أَنَّى
[ مريم : 8 ] في الآية ليست للتعجب ولهذا قال الإمام إن المقصود من قوله :
أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ
[ آل عمران : 47 ] الاستخبار في أنه تعالى يجعلها شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقانه والدليل عليه قوله تعالى
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ
[ الأنبياء : 90 ] وما الإصلاح إلا بإعادة قوة الولادة أو أنه ما ذكر ذلك للشك بل ذكره لتعظيم القدرة كما يقول الرجل إذا رأى صاحبه قد وهب الكثير الخطير أنى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا تعظيما للموهوب أو أن من شأن من فوجىء ببشارة ما يتمناه فرط السرور وفقد الاستفسار والذهول عن مقتضيات الفكر كما قالت :
أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
[ هود : 72 ] فقيل أتعجبين من أمر اللّه .