جميع ما في العالم كليا كان أو جزئيا موجودا أو معدوما فيعلم السر والإعلان فيكون دليلا على ما قبله إن اعتبر أنه من كلام إبراهيم عليه السّلام وكذا إن قيل إنه من كلام اللّه تعالى كالدليل عليه أيضا فإنه تصديق منه تعالى لكلام إبراهيم وهذا دليل لا فوقه دليل .
قوله تعالى :
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 39 ]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 )
قوله : ( أي وهب لي وأنا كبير آيس عن الولد ) يشير إلى أن قوله على الكبر حال لكن لما عبر بالجملة الاسمية أتى بالواو بخلاف ما وقع في النظم الجليل فإنه مفرد ولفظة على أما تكون بمعنى مع كما اختاره صاحب الكشاف أو معناه الأصلي وهو الاستعلاء مجازا واختاره أبو حيان والمصنف أطلق فكلامه ينتظمهما لكن الأرجح كونه بمعنى مع وهو الظاهر من كلامه إذ لا إشارة في كلامه إلى الاستعلاء غايته أنه يمكن حمل كلامه عليه لإطلاقه والأظهر أن الكبر مستعل عليه لا عكسه فالكلام على القلب أي على الكبر بياء المتكلم كقوله تعالى :
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
[ الأعراف : 105 ] .
قوله : ( قيد الهبة بحال الكبر استعمال ما للنعمة وإظهارا لما فيها ) أي في الهبة وفي نسخة فيه أي في الكبر لكن كون الكبر آية بلا ملاحظة الهبة حال الكبر محل نظر .
قوله : ( من الآية ) أي لإبراهيم عليه السّلام .
قوله : ( روي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة وإسحاق لمائة وثنتي عشرة سنة ) وقد روي أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين وإسحاق لتسعين وعن سعيد بن جبير لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشر سنة والمصنف اختار ما اختاره لأنه أظهر الروايات عنده .
قوله : ( أي لمجيبه من قولك سمع الملك كلامي إذا اعتد به ) فهو مجاز كما في سمع اللّه لمن حمده فإنه بمعنى القبول والإجابة وإنما حمله عليه إذ لا حسن في إخبار أنه سمع الدعاء بالمعنى الحقيقي وإلى ذلك أشار بقوله من قولك سمع الملك الخ . فلا بد أن يصار إلى المجاز والمناسب هنا الإجابة لكون السمع سببا لها في الجملة .
قوله : ( وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله ) هذا مذهب قوله : وأنا كبير إشارة إلى أن الظرف أعني على الكبر حال من ياء المتكلم في قوله :
لِي
[ إبراهيم : 39 ] ومعنى الاياس مستفاد من لفظ الكبر فإن الشيخ الفاني الكبير السن آيس عادة من حصول الولد منه .
قوله : وإظهارا لما فيها من الآية أي من العلامة الدالة على كمال قدرة اللّه على وهب ولد من غير مساعدة قابلية المحل .
قوله : لمجيبه يريد أن سميع ههنا مجاز مستعمل لمعنى مجيب اطلاقا للفظ الملزوم وإرادة للازمه العادي فإن الإجابة من لوازم سماع الدعاء غالبا ولو لزوما عاديا .
قوله : أضيف إلى مفعوله أو إلى فاعله وقد ذكر سيبويه فعيلا من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل كقولك هذا ضروب زيدا وضراب أخاه ومنحار إبله وحذر أموره ورحيم أباه فالمراد بالدعاء