قوله تعالى :
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 40 ]
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 )
قوله : ( معدلا لها ومواظبا عليها ) فيكون مستعارا من أقمت العود إذا قومته وفيه بيان لنكتة اختيار مقيم الصلاة على مصلي ومواظبا عليها فيكون مأخوذا من قامت السوق إذ أنفقت وجمع بين المعنيين المجازيين لجوازه عنده .
قوله : ( عطف على المنصوب في اجعلني والتبعيض لعلمه بأعلام اللّه أو استقراء عادته في الأمم الماضية أنه يكون في ذريته كفار ) ولأن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على اللّه تعالى فإنه مما يشوش المعاش كذا قاله في سورة البقرة وما ذكر هناك أحسن مما قرره هنا من وجهين أحدهما أنه لا يلزم من كون ذريته متفقا على الإخلاص تشويش المعاش لجواز أن يكون غير الذرية كافرين غير المخلصين والآخر هو أن المسؤول صلاحهم وإيمانهم فكونهم متقين على الإيمان لا يخل المعاش واعتبار الإقبال غير منفهم من كلامه عليه السّلام ولا لازما له ولذا قال إنه يكون في ذريته كفار مع أن دعائه بإقامة الصلاة وسائر القربات وخص الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الاتباع .
قوله : ( واستجب دعائي ) فتقبل مجاز عن استجب إذ الاستجابة لازم للقبول .
قوله : ( أو تقبل عبادتي ) فالدعاء مجاز عن العبادة لكونه جزءا منها وإنما لم يقل عبادتنا اكتفاء بالأصل .
ليكون معنى ليظهر كونه من أجل النعم عنده وألذها له كما في قول الشاعر :
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
أي إذا ذكرنا أنسابنا ظهر أني لم تلدني لئيمة بل يظهر أني من أولاد الكرام والمقصود منه اظهار المنة من نفسه والشكر على مثل هذه العظيمة وإلا فالمخاطب عالم بالخفايا غني بعلمه الشامل عن اظهار ما في القلوب من السرائر فعبارة الكشاف أولى في هذا المقام مما ذكره المصنف هنا حيث قال وإنما ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة الولد فيها أي في تلك المدة من زمان العمر أعظم من حيث أنها حال وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجل النعم وأحلاها في نفس الظافر .
قوله : معدلا لها معنى التعديل مستفاد من لفظ الإقامة المدلول عليه بقوله مقيم الصلاة قد ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى :
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
[ البقرة : 3 ] في أول سورة البقرة لكن جمع هنا بين معنيي الإقامة المتغايرين فإنه قد ذكر هناك أن يقيمون إن كان من أقام العود إذا قومه يكون بمعنى تعديل أركان الصلاة وإن كان من إقامت السوق إذا نفقت يكون بمعنى المحافظة لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالنافق فأراد معنى اللفظ المتغايرين بإطلاق واحد لا يرتضيه بلغاء الحوار فالأولى أن يقال معدلا لها أو مواظبا عليها .
قوله : استجب دعائي أو تقبل عبادتي الدعاء قد يجيء بمعنى الدعوة والتضرع وقد يجيء بمعنى العبادة فاستوفى محتملي معناه ومجيء الدعاء بمعنى العبادة كما في قوله تعالى :
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ مريم : 48 ] أي وما تبعدون من دون اللّه .