فإن الحذاقة في الطب والمهارة فيه شاع في زمانه والبلاغة وكمالها ظهر في زمن رسولنا عليه السّلام فأعطي القرآن الذي بدت بلاغته وعلت فصاحته .
قوله : ( ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على اللّه ) أمر الآيات إليهم ناظر إلى المشاركة قوله ولا لهم أن يتحكموا ناظر إلى أن يتحكم عليه قدم هنا ما آخره هناك للتنبيه على ما ذكرنا من أنه هو الظاهر من كلامهم .
قوله : ( حتى يتخيرونها على ) بإسقاط النون لأن أن مقدر بعد حتى التخير طلب ما هو خير من غيره وهو قريب من الاختيار والضمير المرفوع للرسل والضمير المنصوب للآيات وإن قرىء بالتاء الفوقانية فالخطاب للقوم قيل الضمير للآيات في القاموس خار الشيء انتقأه كتخيره فالمعنى حتى تنقوها وتحكموا علي بالحكم باظهارها وقيل أي تطلبوا الآيات مني وتحملوها علي وقيل حتى تتخيروا الرسل الماضية عليّ على أن الضمير لهم ولا يخفى ما فيه انتهى وفي هذا البيان نوع تعقيد فالواضح في المعنى أنه ليس للرسل أن يتحكموا على اللّه تعالى باظهار الآيات حتى يتخيروا أي قومي عليّ بالحكم على اللّه باظهار ما أنتم تريدونه ومعنى تخيروا أي تختاروا وتحكموا علي بالحكم على اللّه تعالى كما قيل وفي بعض النسخ تتخيرونها بإثبات النون ولا وجه له « 1 » إلا أن يقال إن حتى ابتدائية ( هذا هو الجواب المجمل وأما التفصيل فقد ذكر في آيات آخر كقوله
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ
[ الأنعام : 7 ]
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً
[ الحجر : 14 ] .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 94 ]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً ( 94 )
( أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق ) .
قوله : ( إلا قولهم هذا ) أي هذا القول الدال على إنكار البعثة من حيث دلالته على انكار بعث الرسول فلا وجه لما قيل لا يخفى أن المراد معنى هذا القول وهو انكار بعث الرسول لا نفس القول لأنه يجري في كل موضع إن تم هذا مثلا التوحيد ليس نفس لا إله إلا اللّه بل معناه .
قوله : حتى يتخيرونها على أي حتى يتخيرون هؤلاء الرسل على أي لم يعارض أممهم رسلهم ولم يقترحوا منهم ما يقترحون علي ولم يتحكموا على اللّه فما بالكم تتخيرون تلك الرسل على يعني أنهم يقولون إنهم رسل من كونهم بشرا كأنهم تختارون هؤلاء علي بهذه الصفة والأول أوفق قال صاحب التقريب لإفادة الحال بالمنطوق ما هو المقصود أي ابعث اللّه رسولا حال كونه بشرا لا ملكا ولنزلنا عليهم رسولا حال كونه ملكا لا بشرا وهو عين المقصود ولو جعلنا رسولا صفة أفاد بالمفهوم ما ليس بمقصود بل ما ليس بمستقيم إذ يدل تقييد الصفة بالمفهوم أبعث اللّه بشرا مرسلا لا بشرا غير مرسل ولنزلنا عليهم ملكا مرسلا لا ملكا غير مرسل وهما غير مقصودين بل غير مستقيم .
هامش
( 1 ) وقيل لأنه غير مستقبل ولا يظهر لنا وجهه لأن اللفظ مستقبل .