تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
الكتابة بالحروف فلا يعرفها الأمي وهذا وجه ما روي عن قتادة يقرأ ذلك الخ ولا يخفى إنه لا حاجة إليه بل التعبير يأبى عن ذلك وقوله :
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
[ الجاثية : 29 ] الآية كالصريح في أن الأعمال مكتوبة بالحروف فحال النشأة الآخرة لا يقاس على حال النشأة الأولى . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 72 ]

وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 72 ) قوله : ( مع أن قوله
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى
[ الإسراء : 72 ] الآية أيضا مشعر بذلك فإن الأعمى لا يقرأ الكتاب والمعنى ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب لا يبصر رشده كان في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة ) فإن الأعمى لا يقرأ الكتاب الخ هذا يؤيد ما « 1 » اخترناه إن مراده نفي قراءتهم بالكلية قوله عمى القلب تنبيه على أن المراد عمى البصيرة لا عمى البصر قوله ولا يبصر من البصيرة رشده لحرمانه عن النظر الصائب والفكر الثاقب كان في الآخرة أعمى أي أعمى البصر القلب ويؤيد الأول قوله تعالى
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
[ طه : 125 ] كذا قاله المصنف في سورة طه فلا يرى من الرؤية البصرية أو القلبية طريق النجاة أي طريق النجاة لأصحاب اليمين فضلا عن السلوك فيه أو هذا كناية عن عدم طريق النجاة لهم إذ لا نجاة لهم وقيل المراد نفي إدراك ما هو طريق النجاة لو كان في الدنيا وهو الإيمان باللّه وأعمى صفة مشبهة لا أفعل التفضيل حتى يقال يعني يصح بناء أفعل التفضيل منه فإن المانع كونه من العيوب الظاهرة كما إذا كان بمعنى فاقد البصر ولا يقدر فيه كون عمى البصيرة مستعارا من عمى البصر نعم هذا قول البعض ولم يرض به المصنف . قوله : ( منه في الدنيا لزوال الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة ) يعني إنه مفضل على نفسه لكن باعتبارين قوله لزوال الاستعداد الخ لأن التكليف في الدنيا ولا تكليف الآخرة ومراده بفقدان الآلة فقدانها من حيث إنها آلة لما ينجيه من الاعتقاد الصحيح والأعمال الصالحة إذ وجود الآلة وسلامتها لا ينفع يوم القيامة . قوله : ( وقيل لأن الاهتداء بعد لا ينفعه ) بعد أي بعد انقضاء الدنيا لا ينفعه يعني إن الأعمى فاقد حاسة البصر استعير في الأول لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة في الدنيا لفقدان النظر أي الفكر وفي الثاني لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة في الآخرة لعدم انتفاعه بها فيها قوله : لزوال الاستعداد تعليل لمعنى التفضيل في الأعمى فإن العمى حال زوال الاستعداد الاهتداء أشد من العمى مع وجود الاستعداد له قوله وقيل لأن الاهتداء بعد لا ينفعه عطف على التعليل المذكور فإنه عله أخرى للتفضيل .
هامش
( 1 ) لكن يرد عليه أن عدم القراءة بعمي البصر لا بعمي القلب إلا أن يقال المراد عمى البصر في الآخرة كما هو المختار .