قوله : ( فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد ) أشار إلى أن كون قوله تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
[ الإسراء : 53 ] علة علة الأمر بالقول الحسن إذ الخشونة تفضي إلى ازدياد الفساد وسبب الخشونة نزغ الشيطان فأقيم علة العلة مقام العلة .
قوله : ( ظاهر العداوة ) أي المبين من ابان اللازم أي ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه قيل أمروا بحسن المجادلة ونبهوا على أنه قد يكون من الشيطان اغراء واغواء وذكروا بعداوته القديمة لهم وهذا مؤيد لما ذكرنا من أن المجادلة منهي عنها إلا بالطريقة التي هي أحسن قوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] صريح في ذلك فالغلظة في الإرشاد والدعوة إلى سبيل السداد تخل بالمقصود .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 54 ]
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 54 )
قوله : ( تفسير للتي هي أحسن وما بينهما اعتراض أي قولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه يهيجهم على الشر ) أي قولوا لهم هذه الكلمة إشارة إلى ما ذكرنا من أن التقدير
وَقُلْ لِعِبادِي
[ الإسراء : 53 ] قولوا لهم هذه الكلمة التي هي أحسن وهي قوله تعالى :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ
[ الإسراء : 54 ] أي بأحوالكم إن يشأ الخ فالمخاطبون المشركون خاطبهم المؤمنون بالرفق واللطف وكون هذه الجملة تفسير للتي هي أحسن لا يقتضي الحصر فهذه من جملة التي هي أحسن وإفراده ولو سلم فيعلم جواز غيرها إما بالإشارة أو بدلالة النص قوله ولا تصرحوا بأنهم الأولى بأنكم من أهل النار وهذا مختار الشيخين وقيل إنه استئناف وليس تفسيرا للتي هي أحسن والخطاب للمؤمنين والمعنى حينئذ أن يشأ يرحمكم أيها المؤمنون بإنجائكم من اذاء الكفار إما بإهلاكهم أو بإلقاء الرعب في قلوبهم أو أن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم بالنهب والقتل وأنواع الأذى فالتي هي أحسن حينئذ المجادلة الحسنة وفي أول كلامه إشارة إليه في الجملة حيث قال يهيج الشيطان بين المسلمين والكافرين المراء « 1 » والشر وهذا قول الكلبي كما قيل وقول الفاضل السعدي قول الجمهور وإنما اختار الأول لأن الترديد في المشية إنما يحسن فيه إذ المعنى أن يشأ يرحمكم أيها الكفار بتوفيقكم للإيمان أو أن يشأ يعذبكم بإبقائكم على الكفر وختم قلوبكم عليه وأما في الثاني فغير ظاهر لأن التعذيب بتسليط الكفار رحمة للمؤمنين في الحقيقة لأنه بسببه يكفر سيئاتهم ويتضاعف حسناتهم قال تعالى :
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[ آل عمران : 141 ] الآية فالترديد المذكور يكون بناء على الظاهر لا على الحقيقة .
قوله : ( مع أن ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلا اللّه ) والحال أن الاعتبار للخواتم لا سيما عند الشافعي فلا ينبغي القطع بأنكم من أهل النار لأنه غيب الخ وهذا مراد المصنف بقرينة
هامش
( 1 ) وقد عرفت المراء الجدال على خلاف الشرع .