قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 51 ]
أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 )
قوله : ( أي مما يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها ) فيه إشارة إلى أن الكبر من خواص الأجسام وقد يوصف به المعاني كالعظم لنكتة يناسب المقام وهنا التنبيه على بعده كما صرح به قوله عن قبول الحياة هذا لكون الكلام مسوقا لقولهم الحياة بعيد بل متعذر للعظام البالية قوله عندكم معنى في صدوركم ذكر الجزء وأريد الكل ووجهه أن الصدور محل القلوب التي هي محل الادراك وأيضا أثر الاستعظام يظهر فيها فإن القلب يضطرب عند ذلك لما يعتريه من الهيبة .
قوله : ( فإن قدرته لا تقصر عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض فكيف إذا كنتم عظاما مرفوتة وقد كان غضة موصوفة بالحياة قبل ) لا تقصر عن إحيائكم بعد ما كنتم عظاما مرفوتة بل ترابا لاشتراك الأجسام الخ وقد تقدم توضيحه في أوائل هذه السورة الكريمة ولو قال لأن البنية ليست بشرط لانتظم جميع المذاهب « 1 » .
قوله : ( والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد فيه ) قال تعالى وهو أهون عليه أي الإعادة أهون عليه من الأصل بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم وإلا فهما عليه سواء فقوله أقبل لما عهد الخ موجه بهذا التأويل وكون النظم الكريم جوابا لهم لتضمنه ما فصله المصنف فتأمل .
قوله : ( فسيقولون الخ ) الفاء للسببية لأن الأمر ب
كُونُوا حِجارَةً
[ الإسراء : 50 ] الآية لما تضمن إثبات الإعادة كان سببها لهذا القول وقولهم الأول إنكار البعث باستبعاد قبول العظام وقولهم هذا إنكار من يعيدهم فهو إنكار في الحقيقة البعث بإنكار من يقدر عليه قل جوابا لهم الذي فطركم مبتدأ خبره يعيدكم أو فاعل له أو خبر مبتدأ محذوف أي من يعيدكم الذي فطركم أي خلقكم وهذا هو الموافق للسؤال .
قوله : ( وكنتم ترابا وما هو أبعد منه من الحياة ) والتراب أغلب أجزاء الإنسان وهو أبعد شيء من الحياة أي بالنسبة إلى قدركم كما مر بيانه وقد عرفت أن الإعادة أهون من البدء وهذا جواب لإنكار من يقدر على البعث بالقياس الجلي الإعادة على الابتداء وما سبق جواب الإنكار البعث لعدم قابلية المواد الحياة فرد بأن أبعد شيء من الحياة يقبل الحياة بقدرة اللّه تعالى ولا ريب في أن القدرة إنما يتعلق بالممكن قوله فإن قدرته تعالى لا تقصر عن أحياءكم إشارة إلى قابلية المواد الحياة فهو جواب عن الإنكار الأول لا عن الإنكار الثاني كما توهم .
قوله : ( فسيحركونها نحوك تعجبا واستهزاء ) ناظر إلى الاستفهام في قوله متى هو
هامش
( 1 ) لأن اشتراك الأجسام الخ قول بعض المتكلمين .