السماوات والأرض وسائر الجمادات والتعبير بما عن ذوي العقول قد مر وجهه مرارا وأنت ما في قوله وإلى ما لا يتصور منه على تحقيق صاحب التوضيح وبياننا على وجه التحقيق والتوضيح فتذكر قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] تعميم بعد التخصيص ويفيد أن التحميد مقدر فيما قبله لدلالة التسبيح وبحمده حال والواو رابط على أن يكون أحدهما باللسان والآخر بالجنان وتقديم التسبيح لأن التخلية مقدمة على التحلية .
قوله : ( وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر يسيح بالياء ) إذ التأنيث غير حقيقي مع الفصل بلفظ له لاهتمامه ولطول زيل الفاعل .
قوله : ( حين لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم ) فلا وجه لما قيل الظاهر أنه للمؤمنين لأن قوله :
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
[ الإسراء : 44 ] يقتضي أن يكون الخطاب لهم لا للمشركين واختار الأكثرون كون الخطاب للمشركين لأن ما قبله الانكار على المشركين لما أسندوه إليه من اتخاذ الولد فلما نزه عنه قال هذا التنزيه مما شهد به حتى الجماد بل مما نطق به كافة المخلوقات حتى الجماد وأما الختام والتكميل بقوله إنه كان الخ حليما فلما بينه المص وهذا كثير في القرآن فقوله حين لم يعاجلكم بالعقوبة ( لعلكم تؤمنون ) أو سيولد منكم من آمن (
لِمَنْ تابَ
[ طه : 82 ] منكم ) .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 45 ]
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 )
قوله : ( يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم ) أي يمنعهم عن فهم ما نقرأ عليهم وهذا حاصل المعنى أو بتقدير مضاف بقرينة وإذا قرأت القرآن فإن تعليق الحجاب بقراءة القرآن يفيد أن الحجاب إما عن سماع القرآن أو عن فهمه بعد سماعه فحمل المصنف على الفهم لأنه تعالى أشار بهذا إلى أنهم مختوم القلوب لا ينفع لهم الآيات والنذر ونبه المصنف عليه بقوله لكونهم مطبوعين على الضلال فالمراد بهم هم الذين علم اللّه أنهم لا يؤمنون وأنهم يموتون على الكفر وأما كون المعنى أنا جعلنا بينك وبين المشركين حجابا حتى لا يرونك فضعيف أما أولا فلأنه لا يفهم منه أنهم
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
[ البقرة :
7 ] وأما ثانيا فلأنه مختص بشرذمة قليلة مثل أم جميل بنت حرب كما صرح به المعترض على المصنف والظاهر عموم الموصول لكل من لا يؤمن وأما ثالثا فلأنه لا يلائم ما قبله المعاندة ذلك ولا يعاجلهم بالعقوبة وأشار إليه المصنف بقوله في تفسيراته كان حليما غفورا حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم ويؤيده قوله تعالى :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
[ الفرقان : 6 ] فإن هذه الآية في حق المشركين مع أنه جيء في آخرها أنه كان حليما غفورا قال الزمخشري في تفسيرها نبه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا لكن صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل ومن ذلك علم أن التذييل به لا يدل على أن الخطاب للمؤمنين كما زعمه صاحب الانتصاف .