فإنه عام وأما رابعا فلأنه لا يلائم ما بعده لأنه بيان له كما قال المصنف « 1 » كما صرح به وهذا المعنى مروي عن قتادة واختاره الزجاج .
قوله : ( ذا ستر كقوله تعالى :
وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
[ مريم : 61 ] وقولهم سيل مفعم وهي ممتلئ أو مستورا عن الحس ) ذا ستر فصيغة المفعول للنسبة مثل مأتيا في قوله :
وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
[ مريم : 61 ] فإن الوعد آت لا مأتي فالمعنى ذا اتيان وسيل مفعم بفتح العين فالمعنى ذو افعام واختاره المصنف وفيه وجه آخر بينه علماء البيان وهو كون الإسناد مجازا عقليا فإن السيل مفعم والوادي مفعم بفتح العين يقال أفعم السيل الوادي أي ملأه وكذا في مستورا إسناده إلى الحجاب مجاز لأنه ساتر في نفسه وإن أريد أنه مستور عن الحس فهو على حقيقة الإسناد وليس من صيغ النسب كما قال أو حجابا مستورا عن الحس لكونه معنويا .
قوله : ( أو بحجاب آخر لا يفهمون ولا يفقهون أنهم لا يفهمون ) أو بحجاب آخر فيكون الحجب متضاعفة ثم بين بطريق الاستئناف بأنهم محجوبون أولا فلا يفهمون ومحجوبون ثانيا ولا يفهمون أنهم لا يفهمون بتضاعف الحجب فجهلهم مركب لا علاج له وهذا المعنى أبلغ لكن آخره لاحتياجه إلى التقدير وإنه بعيد عن الفهم من النظم والثاني أقرب إلى الفهم منه فلذا قدمه وإن احتيج فيه إلى الحذف .
قوله : ( نفى عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات بعد ما نفى عنهم التفقه للدلالة المنصوبة في الأنفس والآفاق تقريرا له وبيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة ) نفى عنهم أن يفهموا الخ إشارة إلى ارتباطه بما قبله وأن معنى الحجاب بينه عليه السّلام وبين الكفرة لا يلائم ما بعده وما قبله وهو مخل بالانتظام اللابق لجزالة النظم الكريم ولقد غفل من اختار هذا المعنى عن براعة ما اختاره المصنف كأنه لم ينظر إلى هذا البيان الرشيق وهو قوله نفى عنهم أن يفهموا الخ وقد أوضحناه سابقا .
قوله : ذا ستر يريد أن إسناد الستر إلى ضمير الحجاب من باب الإسناد المجازي لأن الحجاب ساتر لا مستور كما في قوله عز وجل :
كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
[ مريم : 61 ] حيث قيل مأتيا في موضع آتيا لأن الوعد آت لا مأتي فهو كإسناد ما حقه أن يسند إلى الفاعل إلى المفعول مثل سيل مفعم والمفعم الوادي لا السيل مفعم لا مفعم وعكسه عيشة راضية في موضع مرضية أي وعد ذا اتيان وسيل ذا افعام وعيشة ذات رضى فإن إضافة ذا في ذا ستر وذا اتيان وذا أفعام إضافة ناشئة من تعلق الفعل إلى الفاعل وفي عيشة ذات رضى من تعلق الفعل إلى المفعول فإن الفعل كما يتعلق بالفاعل لأجل صدوره عنه كذلك يتعلق بالمفعول في وقوعه عليه .
قوله : أو مستورا عن الحس فعلى هذا كان الإسناد في مستورا حقيقيا .
هامش
( 1 ) وأيضا لما نفى اللّه تعالى فهمهم الأدلة الآفاقية والآنفسية عقبها بأنهم لا يفهمون أفصح الكلام مع أنه منزل على لغتهم فضلا عن فهمهم الأدلة المذكورة المفهومة بنظر دقيق وفكر عميق فهذه الآية تقرير لما قبله لأنه كالعلة له .