قوله : ( إلا ما ضم إليها دليل كالسباع والحمر الأهلية ) إلا ما ضم إليها على وزن المعلوم أي ضمه إليها دليل آخر من السنة هذا استثناء من مقدر متفرع على الكلام السابق أي فتنحصر المحرمات فيها إلا ما ضمه إليها وفيه تأمل إذ الحصر ينافي في الضم فالأولى في الجواب ما ذكره في سورة البقرة وقد نقلنا آنفا والحمر بضمتين جمع حمار والأهلية منها هي المتداولة بين الناس بالركوب والحمل أي حمل الأثقال احترز بها عن الحمر الوحشية ضد الأهلية فإنها حلال ثابت حلها بالسنة روي أنه عليه السّلام نهى عن أكل ذي مخلب من الطيور وأكل ذي ناب من السباع فعلم منه أن مراد المصنف بالسباع عام للطيور وذي ناب وروى خالد بن الوليد أنه عليه السلام نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير لكن المص لم يتعرض الخيل للاختلاف فيها بين الإمام أبي حنيفة وبين صاحبيه لأنهما روياه عن جابر رضي اللّه تعالى عنه إنه قال نهى النبي عليه السّلام عن الحمر الأهلية وأذن في لحم الخيل والشافعي مع الإمامين .
قوله : ( وانتصاب الكذب بلا تقولوا وهذا حلال وهذا حرام بدل منه ) أي بدل الكل فالكذب عبارة عن هذه الجملة ومقول القول فقوله لما تصف ألسنتكم علة قدمت على الكذب ليقع التنبيه أولا على كونه كذبا فإنه أوقع في النفس وما موصولة والعائد محذوف أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لما تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة واللام صلة للقول كما يقال لا تقل للنبيذ أنه أي في شأنه وحقه وقيل وهذا من إبدال الجملة من المفرد ونقل عن ابن الحاجب أنه قال هذا بناء على أن القول هل هو متعد أم لا وما ذكرناه من أن الكذب عبارة عن القول الكاذب وهو جملة وإن كان لفظه مفردا فهو مقول القول لكونه جملة معنى لكن الفاضل السعدي قال وانتصاب الكذب بلا تقولوا قوله : إلا ما ضم إليه دليل استثناء من الحصر أي المحرمات محصورة في هذه الأمور الأربعة إلا ما دل على حرمته الدليل الخارجي من الآية الأخرى والحديث أما الآية فكقوله تعالى :
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
[ الأعراف : 157 ] فإنها تتناول جميع الحشرات كالذباب والعقارب والفأرات ونحوها وكقوله تعالى :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
[ الأنعام : 146 ] الآية والحديث الوارد في حرمة كل ذي ظفر من الطير وذي ناب من السباع وفي حرمة الحمر الأهلية والبغال فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية والبغال متولدة منها فكانت في حكمها ولو كان البغل متولدا من الرمكة يكون لحمه كلحم الفرس على الخلاف بين الفقهاء .
قوله : وانتصاب الكذب بلا تقولوا فهو يحتمل أن يكون مفعولا به وأن يكون مفعولا مطلقا أي ولا تقولوا القول الكذب على أن لا يكون القول بمعنى القول بل بمعنى المصدر وقد ذكر ابن الحاجب أن مثل هذا مبنى على أن القول يتعدى ولا يتعدى ففيه قولان فإن تعدى فهو مفعول به وإلا فمفعول مطلق .
قوله : وهذا حلال وهذا حرام بدل منه وهذا الكلام الذي هو وهذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب بدل البعض من الكل فعلى هذا يدخل هذا الكلام في حيز القول المدلول عليه بلا تقولوا .