قوله : ( والعذاب ما أصاب من الجدب الشديد أو وقعه بدر ) من الجدب الشديد أي القحط الشديد بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام لأن السورة مكية أو وقعة بدر أي عذابهم ببدر الكبرى بالقتل والأسر ولم يقع بمكة فيكون الماضي مستعارا للمستقبل عبر به عنه لتحقق الوقوع فيكون إخبارا « 1 » بالغيب .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 114 ]
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 )
قوله : ( أمرهم بأكل ما أحل اللّه لهم وشكر ما أنعم عليهم بعد زجرهم عن الكفر وهددهم عليه بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم ) بعد أن زجرهم عن الكفر أشار إلى معنى الفاء « 2 » إذ الأمر بالأكل والشكر كونه بعد الزجر عن الكفر مقتضى الطبع قوله بأكل ما أحل اللّه الخ . إشارة إلى أن الطيب تأكيد للحلال وقال في سورة البقرة طيبا يستطيبه الشرع أو الشهوة المستقيمة إذ الحلال دل على الأول انتهى وهنا اختار المعنى الأول وهذا الأمر يعم الوجوب والمستحب وفيه بمن التبعيضية على حرمة الأكل فوق الشرع ما لم يوجد المبيح وحمل من على الابتداء ضعيف لخلوه عن التنبيه المذكور قوله والعذاب الذي الخ أي القحط الشديد فإن الأشياء تنكشف بأضدادها أو العذاب الذي في وقعه بدر لأن الخطاب للنوع والحلول بهم أي بنوع الكفار .
قوله : ( صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة ) وهو تحريم الأطعمة النفيسة والملابس الرفيعة ومراده بهذا بيان ارتباطه بما قبله .
قوله : ( تطيعون وإن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته ) تطيعون أول العبادة بالإطاعة أولا ليطابق الأمر إذ الشكر بالنعمة إطاعة وإن لم يعتد بدون إيمان أو المراد العبادة على حقيقتها بناء على زعمهم الكاذب من أن آلهتهم شفعاؤهم عند اللّه فعبادتها ظاهرا عبادته تعالى في الحقيقة لأنه المستحق للعبادة وما عداه ذريعة له فتمام العبادة إنما هو بالشكر .
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً
[ النحل : 67 ] ومنها
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
[ النحل : 69 ] واللّه أعلم .
قوله : تطيعون وإن صح زعمكم الخ يعني أن الشرطية وهي قوله عز وجل :
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
[ النحل : 114 ] جاءت مؤكدة للكلام السابق فأما أن يحمل العبادة على الطاعة ليطابق الأمر وهو
فَكُلُوا
[ النحل : 114 ] أو أن تجري على حقيقتها لكن على الزعم الكاذب .
هامش
( 1 ) وحاصله إذا نبهتم على هذه المذكورات فكلوا منه ولا تكونوا مثل أهل الجاهلية فالفاء للسببية وجواب للشرط المحذوف .
( 2 ) قيل ولا يسمى مثله اخبارا بالغيب بل إيعاد أو إيفاء له وهذا عجب منه لأنه بالنسبة إليه عليه السّلام إخبار بالغيب وإن كان وعيدا من اللّه تعالى ومن أنكر هذا فقد انكر وقوع إخبار الغيب في أكثر المواضع من القرآن .