مال الممدوح من غير علمه ويجيئون إلى حضرته فيتبسم ولا يأخذ منهم فيملكونه وبهذا يتضح معنى غلقت رقاب المال فمعنى استحقت بضحكته بفتح الضاد المرة الواحدة والغلق هنا بالغين المعجمة ضد الفتح والمعروف الإحسان وأضاف الغمر إلى الرداء وهو من ملائمات المستعار له فالاستعارة مجردة وهذا ظاهر في البيت حيث كان قرينة الاستعارة إذا تبسم ضاحكا كما عرفت وأما في النظم الكريم فقرينة استعارة اللباس لما غشيهم إضافته إلى الجوع والخوف فيكون إيقاع الإذاقة على اللباس تجريدا بعد تحقق « 1 » الاستعارة بالقرينة المانعة وهي إضافة اللباس إلى الجوع كما عرفته وقيل إن التجريد يجوز أن يكون قرينة دفعا لإشكال الفاضل المحشي وهو مخالف للمشهور .
قوله : ( وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال وقد ينظر إلى المستعار ) الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظرا إلى المستعار الذي هو وصف المعروف والنوال أي نظرا إلى المستعار كذا في الكشاف واعترض عليه بأن أهل اللغة نصوا على أنه يوصف به الثواب أيضا كما يوصف به النوال وكلاهما مجاز وممن صرح به الزمخشري في الأساس فبين كلامه تدافع وأجيب بأنه شاع في النوال وإن كان مجازا فلا ينافيه استعماله في اللباس أيضا مجازا انتهى مراده أن الغمر شاع في النوال حتى صار حقيقة فيه فصار من ملائمات المستعار له ولا ينافيه استعماله في اللباس مجازا غير متعارف وهذا حاسم لمادة الإشكال بالمرة وقد صرح أرباب الأصول أن المجاز قد يكون ملحقا بالحقيقة ويهجر الحقيقة وقد رجح الإمام المجاز المتعارف على الحقيقة في بحث الإيمان فما ظنك في مثل التجريد .
قوله : وقد ينظر إلى المستعار المراد من المستعار هو المستعار منه وإلا فالمستعار في اصطلاحهم اللفظ الدال على المستعار منه فإنه هو الذي استعير أي أخذ عارية من المشبه به الذي هو المستعار منه واعطى المشبه الذي هو المستعار له فإن لفظ الأسد في رأيت في الحمام أسدا مستعار والحيوان المفترس الذي هو حقيقة معنى لفظ الأسد هو المستعار منه والرجل الشجاع هو المستعار له أي وقد ينظر المستعار منه فيذكر ما هو ملائم له ويسمى مثل هذا الترشيح عند أرباب البلاغة كما في البيت يقول يجاذبني سيفي عبد عمرو يعني يريد عبد عمرو أن يأخذ سيفي من يدي فقلت رويدك فلي النصف الأعلى الذي بيميني وخذ أنت النصف الأخير منه واعتجره أي لفه على رأسك يعني امهلني يا أخا عمرو حتى أضرب بسيفي رأسك وأقتلك والاعتجار لف العمامة على الرأس ومثله قول الآخر :
نقاسمهم أسيافنا شر قسمة * ففينا غواشيها وفيهم صدورها
الغواشي جمع غاشية وهي غمد السيف هنا .
هامش
( 1 ) حاصل اعتراضه أن التجريد كالترشيح بعد تمام الاستعارة بالقرينة وهنا ليس كذلك لأن ما سماه تجريدا قرينة الاستعارة لعدم ما يصلح قرينة لها غيره .