فذكر اسم المشبه به وهو لفظ اللباس وأريد المشبه وهو إثر الضرر فهو أيضا استعارة مصرحة فهنا استعارتان « 1 » مصرحتان على ما اختاره المصنف أو أحدهما مصرحة والآخر مكنية كما عرفته .
قوله : ( من الجوع والخوف ) من الجوع من للسببية والتعليل لا للبيان ولو قال لأجل الجوع والخوف لكان أوضح ولو قيل إنه للبيان لا يكون اللباس استعارة بل تشبيها مثل لجين الماء كما اختاره بعضهم فلا يصح في كلام المصنف والمعنى سبب ما غشيهم من إثر الضرر الجوع المفرط والخوف من الأعداء فيكون استعارة المحسوس للمعقول ليرى المعقول محسوسا فيتقرر في الذهن .
قوله : ( وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له ) وأوقع الإذاقة عليه أي على اللباس مع أن الظاهر إيقاع الإكساء بالنظر إلى المستعار له وهو إثر الضرر فيكون الاستعارة مجردة لاقترانها بما يلائم المستعار له وبهذا وإن فات المبالغة في الجملة لكن الإذاقة فيها تقوية لمعنى الإصابة ولذا اختير الإذاقة على الكسوة وبهذا حصل المبالغة الفائتة بالتجريد ومن هذا علم أن قول أرباب البيان أن الترشيح أبلغ بناء على الأغلب لما عرفت من أن الإذاقة تفيد ما لا يفيده الكسوة من التأثير التام والإدراك الشامل ولذا اختير الإذاقة على الطعم ليدل على الشمول .
قوله : ( كقول كثير :
غمر الرادء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال
فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ) كقول كثير هو من قصيدة لكثير مدح بها عمر بن عبد العزيز بالجود وفرط العطاء غمر الرداء بفتح الغين وسكون الميم صفة مشبهة فمصدره غمور بضمتين أي غمر ردائه أي كثير العطاء أي هو كثير العطاء على أن غمر خبر مبتدأ محذوف لأن الغمر من الغمرة وهو الماء الكثيرة يقال غمرة الماء أي أعلاه فاستعيرت لكل كثير وشاع في ذلك واستعير الرداء للعطاء لأنه يصون عرض المعطي كما يصون الرداء ما يلقى عليه كما قال المصنف والقرينة قوله إذا تبسم ضاحكا أي شارعا في الضحك وآخذا فيه أو المعنى إذا ضحك تبسم أي إن ضحكه كله تبسم وهو من الأخلاق المحمودة ومن شمائله عليه الصلاة والسّلام هذا شرط جوابه محذوف دل عليه ما قبله أو الجزاء ما قبله يصف الممدوح وهو عمر بن عبد العزيز بكثرة العطاء ويقول كان المال في يده كالعبد المرهون في يد المرتهن وصار كالرهن يقال غلق الرهن إذا استحقه المرتهن وذلك الاستحقاق إذا لم ينفك في الوقت المشروط وذلك من أفعال الجاهلية فأبطله الإسلام يريد الشاعر أنه إذا تبسم غلقت رقاب أمواله في أيدي الناس فلم يقدر على انفكاكه عن أيدي السائلين وقيل حاصل المعنى أن السائلين يأخذون
هامش
( 1 ) والمفهوم من مجموع البيان أن الاستعارة هنا ثلاث استعارتان مصرحتان واستعارة مكنية فتأمل .