تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
كل نواحيها كما مر في قوله تعالى :
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
[ النحل : 69 ] أي من كل ثمرة تشتهيها وله نظائر كثيرة . قوله : ( بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع أو جمع نعم كبؤس وأبؤس ) على ترك الاعتداد بالتاء لأن المطرد جمع فعل لا فعلة فنعمة لا تجمع على أنعم إلا بملاحظة إسقاط التاء أو جمع نعم بضم النون بمعنى النعمة كما هو الظاهر أو اسم جمع النعمة كما نقل عن الفاضل اليمني قوله بنعمه إشارة إلى أن جمع القلة مستعار لجمع الكثرة واختير جمع القلة تنبيها على أن كفران النعم القليلة شأنه كذلك فما ظنك بكفران النعم الكثيرة . قوله : ( استعار الذوق لإدراك أثر الضرر ) أي أصل الذوق إدراك الطعوم ثم اتسع فقيل لكل إدراك وهنا استعير لإدراك إثر الضرر والجامع مطلق الإدراك والمراد إثر الضرر الحاصل من الجوع والخوف تشبيها له بطعم الشيء المر البشيع في الكراهة والنفرة وشاع استعماله حتى صار كأنه حقيقة كما فهم من الكشاف قوله :
ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ آل عمران : 181 ] ذق إنك أنت الخ ولما كان الذوق مستعار لذلك الإدراك كان الإذاقة مستعارة للإصابة ولما كان هذه تابعة لذلك اكتفى ببيان الاستعارة في الذوق وإلى ذلك أشار بقوله وأوقع الإذاقة الخ ولقصد المبالغة اختير الإذاقة على الإصابة مع التهكم ومع المناسبة لما قبله إذ الرزق مما يذاق ولهذا فرع على كفران النعم المذوقات إذاقة لباس الجوع والخوف من المهلكات فهذه الاستعارة مصرحة حيث ذكر اسم المشبه به وهو الذوق بطعم الشيء المر البشيع وأريد المشبه وهو إدراك إثر الضرر الحاصل بسبب الخوف والجوع وإثر الضرر مثل تغير اللون ورثاثة الهيئة والهزال وقبح المنظر واعتبروا في الذوق المشبه به طعم الشيء المر البشيع لتحصيل الجامع بينهما وهو الكراهة والنفرة كما عرفته ولا يبعد أن يعتبر في الذوق المشبه به الطعم بالشيء الحلو فيكون استعارة تهكمية مثل قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] كان إثر الضرر من قبيل الأشياء المرغوبة بواسطة التهكم لكنهم مالوا إلى الأول ولم يتعرضوا لهذا ولا يعرف وجهه مع أنه أبلغ من الأول وقد يجعل هذا استعارة بتشبيه ما يدرك من إثر الضرر الحاصل من الجوع والخوف بالطعم المر البشيع في الكراهة والنفرة فيكون مكنية وإبقاء الإذاقة عليه تخييلية ولم يلتفت إليه قوله : على ترك الاعتداد بالتاء لأنه إذا اعتد بالتاء يجب أن يجيء جمعها على نعم بالكسر وفتح العين . قوله : استعار الذوق لادراك أثر الضرر يعني استعير إدراك أثر الضرر بالذوق استعارة مصرحة والقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة هو تعليق الإذاقة بلباس الجوع والخوف فإن كلا من الجوع والخوف وأثر ضررهما ليس من المذوقات بل من جملة المدركات بالوجدان شبه إدراك الضرر والخوف بإذاقة المذوق فاستعير لفظ المشبه به وهو الإذاقة للمشبه وهو إدراك الضرر والخوف استعارة المحسوس للمعقول وتصويرا للمعقول بصورة المحسوس .